محمود بن حمزة الكرماني
40
البرهان في متشابه القرآن
التشابه له معنيان : الأول : بمعنى المماثلة : قال الفيروزآبادي في البصائر « 1 » في مادة التشابه : « الأصل فيه ألا يميز أحد الشيئين عن الآخر لما بينهما من التشابه لفظا كان أو معنى » . وقد جاء ذلك وصفا للقرآن العظيم : يقول الله تبارك وتعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ من الآية : 23 سورة الزمر . قد تشابهت آياته في التنزه عن كل وصف يلحقه بكلام المخلوقات ، وتماثلت في كل وصف يوصف به كلام رب العالمين ، منبئة أنها تنزيل من حكيم حميد هدى ورحمة للعالمين كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ . كذلك وصف آيات القرآن بالإحكام قال الله تعالى : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ الآية : 1 سورة هود . والمراد هنا الإحكام العام : فلا يلحق آيات القرآن العظيم خلل أو قصور أو تفاوت في النسق والإعجاز . كتاب أحكمت آياته إحكاما لا يرتاب معه عاقل في أنها منزّلة من اللّه تعالى على أفضل خلقه وأكمل رسله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ، قد حملت من البراهين لمن تدبّرها من أولى الألباب ما يعلن أنها كلام الله عز وجل : منها يتفجر كل كمال لا نهائي ، ومنها تسطع أنوار الهداية بلا حدود ، وتدكدك سطواتها معاقل الباطل منبئة أنها من لدن حكيم خبير . هذان الوصفان لكتاب الله تعالى نزلا في سورتين مكيتين ، وقد تقدم نزول وصف الإحكام أولا في سورة هود ، وترتيبها في النزول بين السور المكية الحادية والخمسون « 2 » . وتلاه الوصف بالمتشابه في سورة الزمر وترتيب نزولها بين السور المكية الثامنة والخمسون « 3 » . الثاني : التشابه بمعنى الالتباس أو الإشكال : قال الليث : « المشتبهات من الأمور المشكلات » . وقال ابن الأعرابي : « شبه الشيء : إذا أشكل » . وقال ابن قتيبة : « أشكل أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله . ثم
--> ( 1 ) الفيروزآبادي : بصائر ذوى التمييز 1 / 293 . ( 2 ) المصدر السابق 1 / 98 . ( 3 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن 1 / 193 .