محمود بن حمزة الكرماني

308

البرهان في متشابه القرآن

يُسَبِّحُ في الجمعة « 1 » والتغابن « 2 » . هذه الكلمة استأثر اللّه بها ، فبدأ بالمصدر في بني إسرائيل ( الإسراء ) لأنه الأصل ، ثم بالماضي لأنه أسبق الزمانين ، ثم بالمستقبل ، ثم بالأمر في سورة الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها وهي أربع : المصدر والماضي والمستقبل وأمر المخاطب فحسب . فهذه أعجوبة وبرهان . * قوله تعالى : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وفي السور الخمس : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ : بإعادة ما وهو الأصل ، وخصّت هذه السورة بالحذف موافقة لما بعدها وهو : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ « 3 » ، وبعدها : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 4 » ؛ لأن التقدير في هذه السورة : « سبح للّه خلق السماوات والأرض » ، وكذلك قال في آخر الحشر بعد قوله : الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ : يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 5 » أي خلقهما . * قوله تعالى : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 6 » ، وبعده : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 6 » : ليس بتكرار ؛ لأن الأول في الدنيا لقوله : يُحْيِي وَيُمِيتُ . والثاني في العقبى لقوله : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ . * قوله تعالى : ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ « 8 » : بزيادة ( هو ) ؛ لأن بُشْراكُمُ مبتدأ ، وجنات خبره ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا صفة لها . خالِدِينَ فِيها حال . ذلِكَ إشارة إلى ما قبله ، و هُوَ مبتدأ تنبيه على عظم شأن المذكور الْفَوْزُ الْعَظِيمُ خبره .

--> ( 1 ) سورة الجمعة يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الآية : 1 . ( 2 ) سورة التغابن يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الآية : 1 . وحيث كان افتتاح الآية سَبَّحَ لِلَّهِ كان ختامها وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - . وحيث جاء قبل الفاصلة لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ كانت الفاصلة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ( 3 ) سورة الحديد هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ من الآية : 4 . ( 4 ) سورة الحديد لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الآية : 2 ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ الآية : 5 . ( 5 ) سورة الحشر هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الآية : 24 . ( 6 ) انظر : الحاشية رقم : 4 . ( 8 ) سورة الحديد يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الآية : 12 ، سبق في متشابهات سورة التوبة عند قوله تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .