محمود بن حمزة الكرماني

276

البرهان في متشابه القرآن

التقدير في الآيات : « سنة اللّه التي خلت في الذين خلوا » ، فذكر في كل سورة الطّرف الذي هو أعم ، واكتفى به عن الطّرف الآخر . والمراد بما في أول هذه السورة النكاح : نزلت حين عيّروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بنكاح زينب . فأنزل اللّه : سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ، أي النكاح سنة في النبيين على العموم . وكانت لداود تسع وتسعون « 1 » : فضم إليهن المرأة التي خطبها « أوريا » ، وولدت سليمان عليه السّلام . والمراد بما في آخر السورة « 2 » القتل ، نزلت في المنافقين ، والشاكين والذين في قلوبهم مرض ، والمرجفين في المدينة على العموم . وما في سورة الفتح يريد به نصرة اللّه لأنبيائه ، والعموم في النصرة أبلغ منه « 3 » في النكاح والقتل .

--> ( 1 ) ما أشار إليه المؤلف ذكره بعض المفسّرين الذين جروا على ذكر ما وصل إليهم من الأخبار والروايات الموقوفة على بعض الصحابة كابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما ، والتابعين كمجاهد ووهب بن منبه وكعب الأحبار وغيرهم ، ومنها ما هو مرفوع إلى المعصوم صلوات اللّه وسلامه عليه . وأخرج بعض هذه الروايات الحكيم الترمذي في نوادره ، وابن جرير في تفسيره ، وابن أبي حاتم ، والبغوي ، وملخص ما قالوه : أن داود عليه السّلام مال إلى زوجة أحد ضباط جيشه ويدعى أوريا الذي كان متغيبا في الغزو . فدبّر خطة يتخلص بها منه . فأرسل إلى قائد جيوشه ليجعل أوريا ضمن حملة التابوت ، وكانت التقاليد تقضى بأن هؤلاء يصمدون في الحرب إلى أن يفتح على الجيش أو يستشهدوا ، فنجا أوريا مرتين واستشهد في الثالثة ، وحينئذ يزعمون أنه عليه السّلام - حاشاه - تقدم ليخطب أرملة أوريا وبينما كان داود عليه السّلام جالسا في محرابه إذ تسوره خصمان قصداه ليحكم بينهما - وكانا من الملائكة - ورمزا في قصتهما إلى النساء بالنعاج ، وبعد أن حكم داود فيها ، أخبراه بأن المراد بالقصة : النساء لا النعاج ، وطلبا منه أن يبين لهما جزاء المعتدى ، فأشار بقطع رأسه أو أن تقطع أوصاله جزاء خيانته ومكره . ثم فهم أن المقصود هو نفسه . وهي قصة تمجها الأسماع لمخالفتها للكتاب والسنة وتناقضها مع عصمة الأنبياء ، وكيف تروى مثل هذه القصة فيمن قال الحق تبارك وتعالى فيه : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ سورة ص الآية : 26 . قال القاضي عياض : ليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت . وقال ابن كثير في هذه القصة : لم يثبت فيها عن المعصوم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حديث يجب اتباعه ، ولم تكن هناك حاجة إلى الاستشهاد بمثل هذه القصة ، خاصة وأن الكلام قد تم بعد قوله : [ النكاح سنة في النبيين على العموم ] . وقد بينا حقيقة قصة الخصم الذين تسوّروا المحراب ، ولما ذا خر داود راكعا وأناب - ذلك في قصة داود عليه السّلام - في كتاب مستقل ضمن سلسلة قصص الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم . ( 2 ) يعنى قوله تعالى في سورة الأحزاب : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا . مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا . سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا الآيات : 60 - 62 . ( 3 ) كذا في « د . م » 64 / أو « ز - 2 » 36 / ب ، وفي الأصلية : [ سنة ] .