محمود بن حمزة الكرماني

272

البرهان في متشابه القرآن

بِأَمْرِهِ « 1 » ؛ لأن في هذه السورة تقدم ذكر الرياح وهو قوله : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ بالمطر وإذاقة الرحمة وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بالرياح بأمر اللّه تعالى . ولم يتقدم ذكر البحر . وفي الجاثية تقدم ذكر البحر وهو قوله : اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ فكنى عنه وقال : لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ « 2 » . [ 31 ] سورة لقمان * قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً « 3 » . وفي الجاثية : كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ « 4 » . زاد في هذه السورة : كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً . جل المفسّرين على أن الآيتين نزلتا « 5 » في النضر بن الحارث « 6 » ، وذلك أنه ذهب إلى فارس فاشترى فيه كتاب « كليلة ودمنة » وأخبار رستم واسفنديار وأحاديث الأكاسرة ، فجعل يرويها ويحدث بها قريشا ويقول : إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار ، ويستملحون حديثه ، ويتركون استماع القرآن ، فأنزل اللّه هذه الآيات وبالغ في ذمه لتركه استماع القرآن فقال : كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً أي : صمما لا يقرع مسامعه صوت .

--> ( 1 ) سورة الجاثية اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الآية : 12 راجع متشابه سورة النحل . ( 2 ) سبق الكلام على المتشابه من وجه آخر في متشابهات الأعراف عند قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ الآية : 57 . ( 3 ) سورة لقمان وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الآية : 7 . ( 4 ) سورة الجاثية وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ الآيات : 7 - 9 . ( 5 ) كذا في البصائر 1 / 371 ، وفي الأصلية : [ نزلت ] . ( 6 ) النضر بن الحارث بن علقمة كان من المجاهرين بعداوة الإسلام ، وابتكر في ذلك خطة زيّنها له كفره . كان يجلب الكتب من فارس ويطالعها ويجلس في قريش مجلسا يحدثهم فيه عن ملوك الفرس يضاهى بذلك القصص القرآني ويقول : [ واللّه ما محمد بأحسن حديثا منى وما أحاديثه إلا أساطير الأولين ] . وجل المفسرين أن هذه الآيات من سورتي لقمان والجاثية قد نزلت فيه . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما أنه قال : إنها نزلت في النضر بن الحارث : أي قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ الآية : 6 ، قال ابن عباس : لهو الحديث باطله . والآية عامة في كل من يفعل ذلك . [ وراجع : مقاصد البيان 7 / 274 ، 8 / 466 ] .