محمود بن حمزة الكرماني
231
البرهان في متشابه القرآن
فإن قيل : فقد قال في الثالث : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ؟ فالجواب تقديره : قل ربى أعلم بعدتهم وقد أخبركم أنهم سبعة وثامنهم كلبهم ، بدليل قوله : ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ؛ ولهذا قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : « أنا من ذلك القليل » : فعدّ أسماءهم . وقال بعضهم : الواو في قوله : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ يعود « 1 » إلى اللّه [ تعالى ] « 2 » ، فذكر بلفظ الجمع كقوله : إِنَّا نَحْنُ « 3 » وأمثاله . هذا على [ سبيل ] « 4 » الاختصار . * ذكرنا قوله تعالى : وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي « 5 » . وفي حم « 6 » : وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي ؛ لأن الرد على الشيء يتضمن كراهة المردود . ولما كان في الكهف تقديره : « ولئن رددت - عن جنتي هذه التي أظن ألا تبيد أبدا - إلى ربى » ، كان لفظ الرد الذي يتضمن الكراهة أولى ، وليس في « حم » ما يدل على الكراهة ، فذكر بلفظ الرجع ليقع في كل سورة ما يليق بها . * قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها « 7 » . وفي السجدة : ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها « 8 » ؛ لأن الفاء للتعقيب و « ثم » للتراخى . وما في هذه السورة في الأحياء من الكفار ، أي « 9 » : ذكّروا فأعرضوا عقيب ما ذكّروا ونسوا ذنوبهم و [ هم ] « 10 » بعد متوقع منهم أن يؤمنوا . وما في السجدة في الأموات من الكفار بدليل قوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ « 11 » أي : ذكروا « 12 » مرة بعد أخرى ، وزمانا بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم .
--> ( 1 ) وهو قول يرده أسلوب القرآن العظيم كما ترده الآية نفسها . ( 2 ) ز . في البصائر 1 / 300 . ( 3 ) في مواضع منها سورة الحجر : 9 ، مريم : 40 ، يس : 12 ، الإنسان : 13 . ( 4 ) ز . في البصائر 1 / 300 . ( 5 ) سورة الكهف من الآية : 36 . ( 6 ) حم فصلت من الآية : 50 . ( 7 ) سورة الكهف من الآية : 57 . ( 8 ) سورة السجدة من الآية : 22 . ( 9 ) في « د . م » 47 / أ ، « ز - 2 » 27 / ب : [ إذ ] والقراءة تصح بهما . ( 10 ) ز . في البصائر 1 / 301 . ( 11 ) سورة السجدة وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ الآية : 12 . ( 12 ) ذكروا بآيات ربهم .