محمود بن حمزة الكرماني

14

البرهان في متشابه القرآن

لا يتجاسروا على الإفتاء بمقاومتهم - وكان قاضى أصبهان ( عبد اللّه بن علي الخطيبي ) يلبس باستمرار درعا تحت ثيابه خشية من فتكهم به على غرة منه ، ومع ذلك فإنهم في عام 502 ه تمكنوا من اغتيال ثلاثة كان هو من بينهم والثاني هو قاضى نيسابور : صاعد بن محمد بن عبد الرحمن ( 448 - 502 ه ) والثالث الإمام الرويانيّ عبد الواحد بن إسماعيل الشافعي ( 415 - 502 ه ) وكان يلقب بفخر الإسلام ، وقد بلغ من تمكنه في المذهب أنه قال : « لو احترقت كتب الإمام الشافعي لأمليتها من حفظي » ولم يشفع له علمه ولا كبر سنه . واشتد خطرهم واستفحل أمرهم في العراق وفارس وكرمان وقطعوا طريق القوافل ما بين كرمان والشمال والغرب ، وأرهبوا القرى ، وفرضوا على الأهالي المكوس فدفعوها لهم اتقاء لشرهم ودفعا لأذاهم . فمن عاداهم بات غير آمن منهم ، ومن سالمهم اتهمه الناس بالارتكاس في عقيدتهم وموالاتهم . ولما وقف ملك كرمان ( تيرانشاه بن تورانشاه السلجوقى ) منهم موقفا سلبيا خشية بأسهم ، اتهمه الناس بالميل إليهم والدخول فيهم ، وثاروا عليه وخلعوه ، وولوا مكانه أرسلانشاه بن كرمانشاه ليخلصهم من شر الباطنية - ولكن هؤلاء كانوا قد تغلغلوا حتى أصبح السلطان لا يثق بخواصه ، واستغل ضعاف النفوس هذه المصيبة لينتقم بعضهم من بعض ويشى بعضهم ببعض « 1 » . واشتعلت الحرب بينهم وبين سلطان دولة السلاجقة الكبرى في العراق ( ركن الدين بركيارق 487 - 498 ه ) فلم يظفر منهم بطائل ، وقام من بعده أخوه السلطان محمد بن ملكشاه ففرغ نفسه للقضاء عليهم ، وسلك معهم طريقة الحوار وأرسل إليهم العلماء لمحاورتهم فما زادهم ذلك إلا رسوخا في عقيدتهم ، بل استغلوا الحوار كي يفضّوا الناس من حول السلطان باتهامه أنه يستحل محاربة قوم من المسلمين وهذا كفر صريح ! ! ولما رأى منهم السلطان هذا الإصرار هاجمهم في قلعتهم بأصبهان وهدمها وقضى على زعيمهم ( أحمد بن عبد الملك بن عطاش ) ، ثم يمم شطر الحسن بن الصباح وحاصره في قلعة [ الموت ] ولكن وفاة السلطان ( سنة 511 ه ) حالت دون الاستيلاء عليها ، فعادت شوكة ابن الصباح إلى أقوى مما كانت عليه حتى توفى ( سنة 518 ه ) فكانت هذه الفرقة أشد على المسلمين من ألد خصومهم .

--> ( 1 ) لم ينج من الاتهام باعتناق تعاليم الباطنية خفية حتى كبار الأئمة المشهورين مثل الإمام الكيا الهراسى حتى وجد السلطان محمد نفسه مضطرا للقبض عليه خشية اتهامه بممالأته ، ولم يخلصه سوى شهادة الخليفة العباسي المستظهر الذي شهد بصحة عقيدة الكيا الهراسى وعلو درجته العلمية وبراءته مما نسب إليه وأرسل إلى السلطان بهذه الشهادة فأطلقه . وطريقة تلفيق التهم للأبرياء من أخبث الوسائل التي تتبعها الشموليات الحديثة للتخلص من خصومهم .