محمود بن حمزة الكرماني

130

البرهان في متشابه القرآن

وعيد عطف عليه وعيد آخر في الآية الأولى : فإن قوله : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ معناه مصيركم إليه ، والعقاب معدّ لديه ، فاستدركه في الآية الثالثة بوعد وهو قوله : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ والرأفة أشد الرحمة . قيل : ومن رأفته تحذيره . * قوله تعالى : قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ « 1 » . قدّم في هذه السورة ذكر الكبر ، وأخّر ذكر المرأة . وقال في [ سورة ] « 2 » مريم وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا « 3 » فقدم ذكر المرأة وأخّر ذكر الكبر : لأن في ( مريم ) قد تقدم ذكر الكبر في قوله : وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 4 » . وقد تأخر ذكر المرأة في قوله : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً « 4 » . ثم أعاد ذكرهما فأخر « 6 » ذكر الكبر ليوافق عِتِيًّا [ فواصل ] « 7 » ما بعدها من الآيات وهي سَوِيًّا « 8 » وَعَشِيًّا « 8 » و صَبِيًّا « 8 » . * قوله تعالى : قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ « 11 » . وفي مريم : قالَتْ أَنَّى يَكُونُ

--> العظيم وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ إلا في هذين الموضعين . والآية الأولى تقدمها نهى المؤمنين عن موالاة الكفار من دون المؤمنين وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ باستثناء التقاة فناسبه وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ . ولما بين عز وجل أن المصير إليه ، بين في الآية الثانية أنه عز وجل لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وأنه قادر على كل شئ ، فاتصلت الآية الثالثة بإحاطة علمه عز وجل وأنه لا يخفى عليه ما ظهر وما بطن مع قدرته على كل شئ ، وأن كل نفس ستجد ما عملته محضرا فلا مهرب منه سبحانه فناسب ذلك وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ . ( 1 ) آل عمران قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ الآية : 40 . ( 2 ) زيادة في بعض النسخ . ( 3 ) سورة مريم قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا . قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً الآيتان : 8 ، 9 . ( 4 ) سورة مريم من الآيتين 4 ، 5 على التوالي . ( 6 ) كذا في البصائر 1 / 162 وفي الأصلية : [ وأخر ] . ( 7 ) زيادة يقتضيها السياق ولو حذفت هذه الزيادة لالتبس المعنى : بتوجيهه إلى موافقة [ عتيا ] لمعاني الآيات لا فواصلها . ( 8 ) فواصل الآيات 10 ، 11 ، 12 من سورة مريم . ( 11 ) سورة آل عمران قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الآية : 47 . لم يذكر المصنف رحمه اللّه تعالى المتشابه في الآيتين 40 ، 47 من هذه السورة ، وهو قوله تعالى في