محمود بن حمزة الكرماني
113
البرهان في متشابه القرآن
* قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ « 1 » . وقال في الحج وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى « 2 » وقال في المائدة : وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى « 3 » ؛ لأن النصارى مقدمون « 4 » على الصابئين في الرتبة ؛ لأنهم أهل كتاب ، فقدمهم في البقرة ، والصابئون مقدمون « 5 » على النصارى في الزمان لأنهم كانوا قبلهم فقدّمهم في الحج . وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير ؛ لأن تقديره في المائدة : والصابئون كذلك - ومثله قوله الشاعر : فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيّار بها لغريب « 6 » أراد : فإني لغريب بها وقيّار كذلك . فتأمل فيها وفي أمثالها تعرف « 7 » إعجاز القرآن .
--> ( 1 ) صرحت هذه الآية الكريمة بأن الإسلام هو الذي قرر الإيمان المنجى لصاحبه : وهو الإيمان بالله عز وجل على الوجه الخالص من الشرك وشوائب النقص التي توجب لمعتقدها الخلود في العذاب ، فلا قبول لإيمان لا يوافق الإسلام . [ وقد أساء فهم هذه الآية بعض الملحدين فزعموا أنه يمكن تحقيق الإيمان من هذه الفرق غير المسلمة مع بقائها على دينها . وهذا الزعم باطل ؛ لأنها جميعا كافرة في نظر الإسلام لما تقدم ، لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ سورة البينة الآية : 6 ، وغير ذلك من النصوص . وبما أن الإيمان لا يتحقق إلا بالإيمان بالله وجميع رسله وفيهم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا . أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً سورة النساء الآية : 151 ، فلهذا تحدد الإيمان المطلوب في الآية وهو الإيمان بالدين الإسلامي فلا بد من اعتناقه ] أه . من التفسير الوسيط 1 / 121 . فليحذر كل متهجم على تأويل آيات كتاب الله عز وجل دون إلمام منه بأصول التفسير وقواعده . فإن القرآن العظيم يفسّر بعضه بعضا ، وتبينه السنة المشرفة . ومن غاب عنه شئ جهل تفسير ما تعلق به فضلّ وأضل ، وكان ممن قال في كتاب الله تعالى بغير علم ولا برهان . ( 2 ) سورة الحج إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ الآية : 17 . ( 3 ) سورة المائدة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الآية : 69 . ( 4 ) كذا في البصائر 1 / 144 ، وفي الأصلية : [ مقدم ] . ( 5 ) مثل الحاشية السابقة . ( 6 ) البيت لضابئ البرجمي ، وكان قد هم بقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه فأمر باعتقاله . وقيّار اسم لرجل أو فرس أو جمل . ( 7 ) في البصائر 1 / 145 : [ يظهر لك ] ، والقراءة تصح بهما .