الغزالي

41

جواهر القرآن ودرره

جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا « 1 » ؛ وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لا يعلم » . واعلم يقينا : أن أسرار الملكوت محجوبة عن القلوب الدّنسة بحبّ الدنيا ، التي استغرق أكثر هممها طلب العاجلة ، وإنما ذكرنا هذا القدر تشويقا وترغيبا ، ولننبّه به على سرّ من أسرار القرآن ، من غفل عنه لم تفتح له أصداف القرآن عن جواهره البتّة ، ثم إن صدقت رغبتك شمّرت للطّلب ، واستعنت فيه بأهل البصيرة ، واستمددت منهم ، فما أراك تفلح لو استبددت فيه برأيك وعقلك ، وكيف تفهم هذا وأنت لا تفهم لسان الأحوال ، بل تظنّ أنه لا نطق في العالم إلا بالمقال ، فلم تفهم معنى قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ « 2 » ولا قوله تعالى قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 3 » ما لم تقدّر للأرض لسانا وحياة ؛ ولا تفهم أنّ قول القائل : قال الجدار للوتد : لم تنقبني ؟ قال : « سل من يدقّني فلم يتركني ، ورأى الحجر الذي يدقّني » ولا تدري أن هذا القول صدق وأصحّ من نطق المقال . فكيف تفهم ما وراء هذا من الأسرار ؟

--> ( 1 ) الآية 69 / من سورة العنكبوت . ( 2 ) الآية 44 / من سورة الإسراء . ( 3 ) الآية 11 / من سورة فصّلت .