الغزالي
32
جواهر القرآن ودرره
وتعالى في شيئين : أحدهما انتفاء النهاية عنه ، والآخر أن العلوم ليست في حقه بالقوة والإمكان الذي ينتظر خروجه بالوجود ، بل هو بالوجود والحضور ، فكل ممكن في حقه من الكمال فهو حاضر موجود . ثم هذه العلوم ما عددناها وما لم نعدها ليست أوائلها خارجة عن القرآن ، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة اللّه تعالى ، وهو بحر الأفعال ، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له ، وأن البحر لو كان مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد . فمن أفعال اللّه تعالى وهو بحر الأفعال مثلا الشفاء والمرض ، كما قال اللّه تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ « 1 » . وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطبّ بكماله ، إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته ، ومعرفة الشفاء وأسبابه ، ومن أفعاله تبارك وتعالى تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان ، وقد قال اللّه تعالى : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ « 2 » ؛ وقال : وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ « 3 » ؛ وقال : وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ « 4 » ؛ وقال : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ * « 5 » ؛ وقال : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ « 6 » .
--> ( 1 ) الآية 80 / من سورة الشعراء . ( 2 ) الآية 5 / من سورة الرحمن . ( 3 ) الآية 5 / من سورة يونس . ( 4 ) الآية 8 / من سورة القيامة . ( 5 ) الآية 13 / من سورة فاطر . ( 6 ) الآية 38 / من سورة يس .