محمود بن حمزة الكرماني

93

اسرار التكرار في القرآن

لَكُمْ في قوله : فَاسْتَجابَ لَكُمْ « 9 » فاكتفى بذلك . وقدم قُلُوبُكُمْ هنا ، وأخّر بِهِ ازدواجا بين المخاطبين « 1 » فقال : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ « 126 » . وقدم بِهِ في الأنفال ازدواجا بين الغائبين فقال : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ « 10 » . وحذف إِنَّ اللَّهَ هاهنا ، لأن ما في الأنفال قصة بدر ، وهي سابقة على ما في هذه السورة ، فإنها في قصة أحد ، وأخبر هناك بأن اللّه عزيز حكيم ، وجعله في هذه السورة صفة ، لأن الخبر قد سبق . 65 - قوله : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ « 136 » بزيادة الواو ، لأن الاتصال بما قبلها أكثر من غيرها « 2 » ، وتقديره : ونعم أجر العاملين المغفرة والجنات والخلود . 66 - قوله : رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ « 164 » بزيادة الأنفس ، وفي غيرها رَسُولًا مِنْكُمْ « 2 : 151 » لأنه سبحانه منّ على المؤمنين

--> ( 1 ) والمخاطبون في هذه السورة هم المؤمنون في قوله تعالى : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ الآية [ 124 ] ، وبعدها : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا [ 125 ] . ( 2 ) مراده بغيرها في سورة العنكبوت : خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ [ 58 ] . ويمكن توضيح كلام الكرماني : بأن آية آل عمران : أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ، وآية العنكبوت : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ . فآية آل عمران مبنية على تداخل الأخبار ، فأولئك مبتدأ ، وجزاؤهم مبتدأ ثان ، ومغفرة خبر المبتدأ الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول والجزاء هو الأجر فكأنه قال : أولئك أجزيهم على أعمالهم : محو ذنوبهم وجنة عدن ودوام نعيمهم ، والخبر إذا جاء بعد خبر في مثل هذا المكان الذي تفصل فيه المواهب المرغب فيها فحقه أن يعطف على ما قبله بالواو ، فصار المعنى جزاؤهم : ترك المؤاخذة بالذنب ، ودخول الجنة ، والخلود فيها ، وذلك تشريف وكرامة للعاملين . أما في العنكبوت فالكلام فيها مدرج على جملة واحدة هي تبوئة المؤمنين غرفا في الجنة ، وهي جملة ابتداء وخبر لم يعطف عليها بالواو ، لأن الجملة في موضع خبر المبتدأ ، كأنه قال : ذلك نعم أجر العاملين ، وتجرى مجرى ما هو من تمام الكلام كقوله تعالى : لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ .