محمود بن حمزة الكرماني

86

اسرار التكرار في القرآن

بِالْمَعْرُوفِ « 234 » ، وقال في ( الآية ) « 1 » الأخرى : مِنْ مَعْرُوفٍ « 240 » ، لأن تقدير الأول [ فيما فعلن بأمر اللّه وهو المعروف ، والثاني ] « 2 » فيما فعلن في أنفسهن فعلا « 3 » من أفعالهن معروفا ، أي : جاز فعله شرعا « 4 » . قال أبو مسلم حاكيا عن الخطيب : إنما جاء المعروف الأول معرّف اللفظ لأن المعنى : بالوجه المعروف من الشرع لهن ، وهو الوجه الذي دل اللّه عليه وأبانه . والثاني : كان وجها من الوجوه التي لهن أن يأتينه ، فأخرج مخرج النكرة لذلك . قلت : النكرة إذا تكررت صارت معرفة ، فإن قيل : كيف يصح ما قلت والأول معرفة والثاني نكرة ؟ وما ذهبت إليه يقتضى ضد هذا ، بدليل قوله تعالى : كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا . فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ « 73 : 15 ، 116 » ، فالجواب : أن هذه الآية بإجماع من المفسرين مقدمة على تلك الآية في النزول ، وإن وقعت متأخرة في التلاوة . ولهذا نظير في القرآن في موضع آخر أو موضعين وقد سبق بيانه « 5 » ، وأجمعوا أيضا على أن هذه الآية منسوخة بتلك الآية « 6 » ، والمنسوخ سابق على الناسخ ضرورة ، فصح ما ذكرت أن قوله :

--> ( 1 ) سقطت من ب . ( 2 ) ما بين الحاصرين سقط من أ . ( 3 ) في أ : ( فعل ) . ( 4 ) يفهم ذلك من صدر آية : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ . أي : لا جناح عليكم في أن يفعلن في أنفسهن فعلا هو بأمر اللّه وهو ما أباحه لهن من التزوج بعد انقضاء العدة فصار المعروف هنا محددا مشهورا . وفي الآية الثانية تخييرا لهن بين أمرين مشروعين هما : القعود ، والزواج . وهما مشروعان ، فلم يكن المعروف الثاني إلا وجها من الوجوه المشروعة غير محدد ، فلهذا خرج مخرج النكرة . ( 5 ) انظر : الفقرة [ 26 ] سورة البقرة . ( 6 ) أخرج البخاري عن الزبير أنه قال لعثمان : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ . . . الآية . قد نسختها الآية الأخرى ، فلم تكتبها ؟ فقال عثمان : يا ابن أخي ، لا أغير شيئا من مكانه . انظر : ( البخاري ، هامش فتح الباري 8 / 33 طبع الهند ، كذلك انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس 72 - 7 ط الخانجي ) .