محمود بن حمزة الكرماني

73

اسرار التكرار في القرآن

المعنى : أقيموا فيها ، وذلك ممتد ، فذكر بالواو ، أي : اجمعوا بين الأكل والسكون ، وزاد في البقرة رَغَداً لأنه سبحانه أسنده إلى ذاته بلفظ التعظم وهو قوله : وَإِذْ قُلْنا خلاف ما في الأعراف ، فإن فيه : وَإِذْ قِيلَ . وقدم وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً على قوله : وَقُولُوا حِطَّةٌ في هذه السورة ، وأخّرها في الأعراف ، لأن السابق في هذه السورة ادْخُلُوا فبيّن كيفية الدخول « 1 » . وفي هذه السورة خَطاياكُمْ « 58 » بالإجماع . وفي الأعراف خَطِيئاتِكُمْ « 161 » مختلف « 2 » لأن خطايا صيغة الجمع الكثير ، ومغفرتها أليق في الآية بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه . وفي هذه السورة وَسَنَزِيدُ ، وفي الأعراف سَنَزِيدُ بغير واو ، لأن اتصالها في هذه السورة أشد ، لاتفاق اللفظين . واختلفا في الإعراب لأن اللائق سَنَزِيدُ محذوف الواو ليكون استئنافا لكلام « 3 » .

--> ( 1 ) قال الإسكافى : إن ما أخبر اللّه به من قصة موسى وبني إسرائيل وسائر الأنبياء لم يقصد به حكاية الألفاظ بأعيانها ، وإنما قصد اقتصاص معانيها ، وكيف لا يكون كذلك واللغة التي خوطبوا بها غير العربية ، فحكاية اللفظ إذن زائلة ، وتبقى حكاية المعنى ، ومن حكاية المعنى كان مخبرا بأي لفظ أراد ، وكيف شاء من تقديم وتأخير بحرف لا يدل على الترتيب كالواو . وعلى هذا يقاس نظائره في القرآن ( درة التنزيل ص 17 ) . ( 2 ) قرأ نافع وابن عامر ( تغفر ) بالتاء مضمومة وفتح الفاء ، والباقون بالنون مفتوحة ( نغفر ) . وقرأ أبو عمرو ( خطاياكم ) على لفظ قضاياكم ، من غير همز ، وابن عامر ( خطيئتكم ) بالهمز وضم التاء من غير ألف ، على التوحيد ، ونافع كذلك إلّا أنه على الجمع ، والباقون كذلك إلّا أنهم يكسرون التاء ( التيسير ص 114 ) طبعة إستانبول 1920 م . ( 3 ) بيان ذلك : أن ادْخُلُوا من قوله تعالى في البقرة : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا وقعت في موضع المفعول من قُلْنَا . والمفعول يكون مفردا ، ويكون مكانه جملة ، والفاعل عند البصريين لا يكون إلّا مفردا ، ولا تصح الجملة مكانه ، ولذلك يقولون في قوله في سورة يوسف : ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ ( 35 ) . إن فاعل بَدا هو البداء الذي دل عليه الفعل ، لأن الفعل دال على مصدر ، وكذلك قوله تعالى في السجدة : أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا ( 26 ) . فاعل يَهْدِ عند البصريين يكون الفاعل في قوله في الأعراف : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا مفردا ، ولا يصح أن يكون جملة ، ولا يجوز أن يكون