محمود بن حمزة الكرماني
68
اسرار التكرار في القرآن
والتوحيد أول ما يلزم العبد من المعارف ، فكان هذا أول خطاب خاطب اللّه به الناس في القرآن ، فخاطبهم بما ألزمهم أولا ، ثم ذكر سائر المعارف ، وبنى عليها العبادات فيما بعدها من السور والآيات . فإن قيل : سورة البقرة ليست من أول القرآن نزولا ، فلا يحسن فيها ما ذكرت . قلت : أول القرآن سورة الفاتحة ، ثم البقرة ، ثم آل عمران ، على هذا الترتيب إلى سورة الناس ، وهكذا هو عند اللّه في اللوح المحفوظ ، وهو على هذا الترتيب كان يعرضه عليه الصلاة والسلام على جبريل عليه السلام كل سنة أي : ما كان يجتمع عنده منه ، وعرضه عليه الصلاة والسلام في السنة التي توفى فيها مرتين « 1 » ، وكان آخر الآيات نزولا : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ « 2 » ، فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الرّبا والدين « 3 » . وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله في هود : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ « 13 » معناه : مثل البقرة إلى هود ، وهي العاشرة ، ومعلوم أن سورة هود مكية ، وأن البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، والتوبة مدنيات نزلن بعدها .
--> ( 1 ) نقل القرطبي 1 / 60 عن أبي بكر بن الأنباري : أن اللّه تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا ثم فرق على النبي صلى اللّه عليه وسلم في عشرين سنة . وكانت السورة تنزل في أمر يحدث ، والآية تنزل جوابا لمستخبر يسأل ، ويوقف جبريل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على موضع السورة والآية . . . فمن أخّر سورة مقدّمة ، أو قدّم سورة مؤخّرة ، فهو كمن أفسد نظم الآيات . وحديث عرض القرآن مرتين في آخر حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم أخرجه أحمد في المسند عن ابن عباس المسند 1 / 213 ، وموافقة ما في مصحف عثمان للعرضة الأخيرة نقله القسطلاني عن الإمام أحمد ، وابن أبي داود في المصاحف ، والطبري من طريق عبيدة السلماني ، ومحمد بن سيرين ( لطائف الإشارات 1 / 30 ، وانظر الإتقان 1 / 77 - 79 ) فقد استوعب السيوطي آراء العلماء في ترتيب السور والآيات وأنها من الوحي ، وكذلك انظر مقدمة ( تناسق الدرر في تناسب السور ) للسيوطي أيضا . ( 2 ) سورة البقرة : 281 . ( 3 ) تفسير القرطبي 1 / 60 ، 61 أخرجه عن ابن عباس ، خلافا لما روى عن البراء : أن آخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ . . . [ سورة النساء : 176 ] .