محمود بن حمزة الكرماني
54
اسرار التكرار في القرآن
العليا من البلاغة والتحكم في زمام القول ، وجودة القريحة ، وصفاء السليقة ، هذا العجز من هؤلاء القوم الذي أنزل القرآن بلغتهم يشكل عنصرا واحدا من حجة القرآن على العالم ، وهذا العنصر يضع القرآن موضع الاعتبار أمام غير العرب من الناطقين بلغات أخرى ، والذين لا يجيدون إلّا تذوق المعنى في القرآن ، وهم عن تذوق الأساليب العربية بمعزل . وذلك لأن العرب لو نجحوا في معارضة القرآن لأسقطوا على الفور حجة الرسول صلى اللّه عليه وسلم على أنه رسول يبلغ عن ربه دعوة الإسلام الخاتمة ، ولو سقطت هذه الحجة القائمة للرسول لاندثرت الدعوة ، وأصبحت في عداد النحل الكاذبة التي زخرت بها المراجع الإسلامية . أما وقد عجز العرب تماما عن معارضة القرآن ، فقد قامت حجة الرسول صلى اللّه عليه وسلم على العرب ، وكان قيام هذه الحجة عاملا رئيسيّا في إبراز حجة أخرى تشير بوضوح إلى روح القرآن وأثره العجيب في بناء القوة من الضعف ، والتماسك من التمزق ، وسمو الهدف من ماديته وأرضيته ، والعالمية من النعرة العصبية ، والنبل والإيثار من السعار المالى الرهيب ، وتواضع الرؤوس من تعاليها ، إلى غير ذلك من معجزات التاريخ التي دبت في الوسط العربي في قوة وسرعة وعزم فسمت بهم من وهدة التحلل ، وفرقة التجمع حول شيوخ القبائل المختلفى النزعات والأغراض ، وهلهلة العقيدة في الأحجار والكهان إلى الوحدة حول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أساس متين من عقيدة الوحدانية التي رفضت كل الشوائب ، وأحالت القتام الذي كان يسود الجزيرة العربية إلى صفاء ونقاء . ودالت دول الشرك تماما في الجزيرة ، وكان جيش تبوك وبعث أسامة بن زيد ، الذي توفى الرسول صلى اللّه عليه وسلم قبل إنفاذه ، كان هذان العملان العسكريان بمثابة الإشارة النبوية إلى ساعة الصفر التي يتحول فيها جهاد الإسلام إلى الواقع العالمي ، بعد أن أقام حجته الناصعة بالقرآن العربي على العرب الناطقين بالعربية ، وأفصح من نطق بها .