محمود بن حمزة الكرماني

48

اسرار التكرار في القرآن

الْمَفْتُونُ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ « 1 » . يعنى : ضل فقال عن الرسول : إنه مجنون ، وعن القرآن : إنه سحر مبين . . فلما جاء ( أفعل ) مع المضارع في الأنعام انقطعت مظنة الضلال إلى اللّه تعالى ، كما هو جائز في المعنى إذا استعمل مع الماضي ، فصار معنى الآية في الأنعام : إن اللّه أعلم بمن يضلون عن طريقه في المستقبل ، فصار ورود أفعل مع المضارع اتباعا للسياق ، وقطعا لمعنى الإضافة المؤكد في استعمالها مع الماضي كما هو الغالب في لغة العرب ، فلما استعمله مع الماضي في سورة القلم استعمله مع الباء ، إذ لو لم تذكر الباء لصار المعنى أنه تعالى أعلم الضالين عن سبيله ، وتعالى اللّه علوا كبيرا . فانظر كيف خالف الغالب من لغة العرب في الأنعام ، ولم يزد حرفا لا معنى لزيادته مع فعل المستقبل حفظا للقرآن من الحشو ، وكيف كان الاحتياط للمعنى في سورة القلم حينما تعارض المعنى مع الاستعمال اللغوي الشائع في لغة العرب ، فلم تكن الباء زائدة في سورة القلم . ولهذا عقب الكرماني على كلامه هنا بقوله : « فتنبه فإنه من أسرار القرآن » . ثم انظر كيف يستعمل الكتاب والباحثون كلمتي ( ينفع ويضر ) مقترنتين بتقديم أيهما شاءوا ، وليس في ذلك خلل في معانيهم على أي حال ، ولكن كتابا لا يقدم النفع على الضر ، أو الضر على النفع إلّا لأن السياق و ( هندسة النظم ) و ( والتركيب الكيميائى ) و ( الإبداع الجمالى ) يدعو إلى ذلك ، بحيث لا تجد نشازا في التركيب لا لفظا ولا معنى - هذا الكتاب لم نعثر عليه إلى الآن إلّا فيما بين دفتي كتاب اللّه العزيز الحكيم الذي لا يأتيه الباطل أبدا . جاء في سورة الأعراف : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ « 2 » وعلى هذا الترتيب جاءت آيات في سورة : الرعد ،

--> ( 1 ) سورة القلم : 5 - 7 . ( 2 ) سورة الأعراف : 188 .