محمود بن حمزة الكرماني
44
اسرار التكرار في القرآن
نوعا من الزعورة ، فكان اجتماع النوعين في نظمه مع نبو كل واحد منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن ، ليكون آية بينة لنبيه صلى اللّه عليه وسلم » . رابعا : روعته في القلوب : وقد فطن إلى هذا الوجه بعض المؤمنين بل وكثير من الجاحدين المنكرين أيضا . فيقول الخطابي : « وقد قلت في إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس ، وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس ، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ، ومن الروعة والمهابة في حال آخر ما يخلص منه إليه . قال تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ « 1 » ، وقال : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ « 2 » » . ويقول الزركشي : « فمنها الروعة التي في قلوب السامعين وأسماعهم ، سواء منهم المقر والجاحد ، ومنها أنه لم يزل غضّا طريّا في أسماع السامعين ، وعلى ألسنة القارئين » . ويكتشف القاضي عياض أن هذه الروعة وتلك الهيبة كانت سببا في إسلام بعض الكفار من العرب فيقول : « ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم ، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته ، وقد أسلم جماعة عند سماع آياته منهم جبير بن مطعم ، فإنه سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور . قال : فلما بلغ قوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ . . . « 3 » إلى قوله : . . . الْمُصَيْطِرُونَ كاد قلبي أن يطير ، وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي » . خامسا : ما وراء التكرار في القرآن : وهذا الوجه يمكن أن نسميه تجاوزا ( بالتركيب الكيميائى للقرآن ) . وذلك أن أسلوب القرآن من هذه الوجهة مركب تركيبا دقيقا بالغ الدقة ، بحيث تقرب منه التركيبات
--> ( 1 ) سورة الحشر : 21 . ( 2 ) سورة الزمر : 23 . ( 3 ) سورة الطور : 35 .