محمود بن حمزة الكرماني
30
اسرار التكرار في القرآن
« لا إله إلّا اللّه » ، هذه الكلمة هي خلاصة رسالات اللّه ، محمد وجميع الرسل عباد اللّه . هذا هو الحجم الأصيل للمبلغين عن اللّه في كل ملة ، فلا كهنوت ، ولا احتكار للدين باسم الوساطة ، ولا سحر ولا شعوذة في الدين وهي الأصول التي تدور حولها حقائق القرآن ، لتثبيتها في القلوب ، ولإمدادها بطاقة من القوة واليقين عن طريق التشريع بالأمر والنهى . فما ذا كان موقف العرب وهم أئمة الفصاحة والبلاغة من هذه الحقائق الواضحة باللسان البليغ المبين ؟ كان هذا البيان هدى لمن رقت حجب الغفلة عن قلوبهم فآمنوا ، وكفر الكثيرون وعاندوا وهم أرباب القلوب الغليظة المعتمة ، وبدأت سلسلة من التحديات وطلبوا آية ربانية ، أي معجزة بالمعنى الاصطلاحي تدل على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم في دعواه . وأعلن اللّه تعالى أن آية محمد صلى اللّه عليه وسلم ومعجزته لأهل العناد ما هي إلّا الكتاب المبين حيث يقول : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ « 1 » . أي : أنه قائم مقام المعجزات المادية التي أيد اللّه بها رسله السابقين . وكان هذا البيان القرآني حينما طلبوا تلك الآيات صراحة كما في هذه الآية وحين قالوا : فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ « 2 » . القرآن إذن آية اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم بالمعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة ( آية ) فهو البيان الواضح الجلى يدركه كل المخاطبين ، وهو في الوقت نفسه معجزة بيانية عظمى يمنح المعتدين مزيدا من النور ، ويتحدى المعاندين أن يعارضوه بمثله ، كما تحدى موسى سحر قومه بعصاه وعيسى طب عصره بإحياء الموتى ، وآمن الكثير حينما تأملوا وتدبروا وعاينوا المعجزة بالقلوب . . فالإعجاز على أي حال هو وسيلة إيمان ، ووسيلة
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 50 - 51 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 5 .