محمود بن حمزة الكرماني

28

اسرار التكرار في القرآن

إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ « 1 » ، والملأ الذين استكبروا والذين أترفوا ، هم أئمة العناد ، ودعاة الجحود والكفر في كل ملة إلهية كما بيّن ذلك القرآن الكريم . لم يكن البيان والوضوح في تبليغ الدعوة إذن كافيا لقطع الحجة الكافرة ، وإقناع أنواع المدعوين إلى الشرائع على اختلاف أفهامهم ومداركهم وميولهم وشواكلهم ، بل إن البيان الواضح كاف لإقناع من رق حجاب الشهوة عن قلبه وبصيرته ، واستعلى عقله على هدى نفسه دون سواه من غلاظ القلوب والرقاب . . أما هؤلاء الغلاظ فلم يستجيبوا للبيان ، ولم يتخاذلوا أمام الوعيد بالهلاك في الدنيا ولا في الآخرة ، ولم تلن قلوبهم أمام دلائل الصدق الواضحة في شخصيات رسل اللّه ، فراحوا يطالبون رسلهم بآيات ودلائل تدل على أنهم صادقون في البلاغ عن إله غير منظور ولا مدرك بالحواس ، ولن تكون المطالبة بتلك الدلائل إلّا نوعا من التحدي الموجه للرسل أن يثبتوا للكفرة أن هناك شيئا وراء الحواس ، أو قانونا علميّا يعمل في الكون غير القوانين التي ألفوها من خلال السبب والنتيجة في عالم المحسوس المادي الذي يمارسونه في حياتهم . وكانت ناقة صالح ، وعصا موسى وبقية آياته التسع ، وإحياء الموتى على يد عيسى - عليهم الصلاة والسلام - آيات مؤيدات لبيان اللسان وحجة العقل ، وتحديا لأهل العناد بأن قوة عظمى تحكم الكون غير قوة المادة ، وبأن قانون السبب والنتيجة المحسوس والمألوف ليس إلّا أدنى مراتب السبب والنتيجة ظهورا للإنسان في عالمه المادي الذي أمر أن يمارسه على هدى من الإيمان المطلق ، حتى يستقيم العمران ، وتتحقق خلافة الإنسان لربه الأعلى . ولما لم تجد تلك الآيات والدلائل الواضحة على سلطان اللّه تعالى

--> ( 1 ) سورة سبأ : 34 .