محمود بن حمزة الكرماني
22
اسرار التكرار في القرآن
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ - كذلك نطبع - . . . إلى أمثال ذلك » . ولقد بلغت هذه المكررات قمة الإعجاز ، بحيث يمكن اعتبارها من علامات التنبيه على الإعجاز الذي لا يدرك إلّا بعمق الفهم والفقه والتذكر في كل سورة من سور القرآن ، حتى يدرك الإنسان المستوى الواجب من يقظة العقل والتدبر حين يقرأ القرآن ، إما لاكتشاف آفاق أخرى من آفاق إعجازه التي لا تنتهى ، وأما ما أدركه الأولون واستيعابه ، حتى تؤتى القراءة ثمارها من ذلك الكتاب المبارك المبين ، وتلك هي الأهمية الأخرى للكتاب . ولقد نبّه الكرماني على بعض مسائله بأنها براهين لإعجاز القرآن ، ومنها قوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ « 1 » في سورة الأنعام ، وقوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ في سورتي الروم « 2 » ويونس « 3 » . وما ذلك إلّا لأن ما في الأنعام وقع بين أسماء الفاعلين وهو فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى - فالِقُ الْإِصْباحِ واسم الفاعل يشبه الاسم من وجه ، فيدخله الألف واللام والتنوين والجر وغير ذلك ، ويشبه الفعل من وجه فيعمل ، ولا يثنى ولا يجمع إذا عمل ولهذا جاز العطف عليه بالفعل نحو قوله : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ . . . وَأَقْرَضُوا وبالاسم نحو قوله : أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ . فلهذا وقع بينهما يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ بلفظ الفعل و مُخْرِجُ الْمَيِّتِ لفظ الاسم عملا بالشبهين ، وأخّر لفظ الاسم لأن الواقع بعده اسمان والمتقدم اسم واحد بخلاف
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 95 . ( 2 ) سورة الروم : 19 . ( 3 ) سورة يونس : 31 .