محمود بن حمزة الكرماني

109

اسرار التكرار في القرآن

وليس فيما سواهما ما يدل على ذلك ، فاكتفى بخطاب واحد ، والعلم عند اللّه « 1 » . 102 - قوله : لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ « 42 » ، في هذه السورة ، وفي الأعراف : يَضَّرَّعُونَ « 94 » ، بالإدغام ، لأن هاهنا وافق ما بعده ، وهو قوله : جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا « 43 » ، ومستقبل تضرعوا : يتضرعون لا غير . 103 - قوله : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ « 46 ، 65 » مكرّر ، لأن التقدير : انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون عنها ، فلا تعرض عنهم ، بل تكررها لهم لعلهم يفقهون . 104 - قوله : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ « 50 » ، فكرّر لَكُمْ ، وقال في هود : وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ « 31 » فلم يكرر لَكُمْ ، لأن في هود تقدم : إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ « 25 » ، وعقبه وَما نَرى لَكُمْ « 27 » .

--> ( 1 ) بيان ذلك أن ترادف الخطابين ( التاء ، والكاف ) لا يكونان إلا عند المبالغة في التنبيه ، والمبالغة فيه : أن يعلم المخاطب ألا تنبيه بعده ، وما يتصل بقوله : أَ رَأَيْتَكُمْ في الموضعين كلام بدل على أنه إذا وقع لم ينفع عنده الزجر والتنبيه . فإتيان العذاب ، أو قيام الساعة في الموضع الأول وإتيان عذاب اللّه بغتة أو جهرة في الموضع الثاني لا ينفع عنده تنبيه ولا زجر ، ولذلك تناهت الآية في التخويف فترادف الخطابان معا . أما ما اقتصر فيه على خطاب واحد ففي الأنعام : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ [ 46 ] ، وفي يونس : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ [ 50 ] . في الأنعام لم يهدد اللّه الكافرين بالاستئصال ، وفي يونس لا يوجد ما يدل على التهديد بالاستئصال ، لأن قبلها : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فهم لا يخافون ، وقوله : ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ دليل على عدم التصريح بالاستئصال حتى ينذر بأقصى أدوات الإنذار . وهذا من أسرار إعجاز القرآن ، لأنه ليس من دأب البشر الدقة البالغة في ملاحظة الملابسات ، ومناسبة الكلمات والحروف للحالة النفسية للمخاطبين على هذا الوجه العجيب الذي لا يمكن أن يخطئه القرآن الكريم المعجز العالمين حقّا .