عماد الدين بن محمد الطبري ( الكيا الهراسي )
172
أحكام القرآن
يبقى أن يقال : فلم قال : ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) « 1 » ، وإذا انتقض العهد فلم جاز الإمهال ؟ فيقال : لا يبعد جواز الإمهال لما فيه من المصلحة في تدبر من أمهل في عاقبة أمره ومآل حاله ، وأن ذلك يكون داعيا إلى الإسلام ، وإنما لا يحسن الامهال لمن يتوقع الغوث ، فأما من لا يخشى الغوث ، فلا يقبح منه الامهال ، ودل عليه قوله : ( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ) « 2 » . ومعناه : غير معجزيه ، بتمكين نبيه منهم ، ونصرته عليهم ، أو نفاذ مراد اللّه تعالى فيهم بما شاء ، وهو معنى قوله تعالى : ( وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ) . فكان المقصود من التسمح بهذه المدة ، التوصل إلى هذه البغية ، وهو رجاء الإسلام . وإذا بان السبب الذي لأجله يجوز نبذ عهود الكفار إليهم ، فقد قال ابن عباس : إن المشركين أخذوا في نقض عهودهم التي بينهم وبينه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأمر اللّه تعالى نبيه فيمن كان عهده أربعة أشهر ، أن يقره إلى مضي هذه المدة ، وذلك من يوم النحر إلى عشر من شهر ربيع الآخر ، ومن كان له من العهد أكثر ، أمر أن يحط إلى ذلك ، ومن كان أقل ، أمر أن يرجع به إلى هذا القدر ، ومن لم يكن له عهد ، أمر أن يجعل له خمسين ليلة من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم ، إلا حي من بني كنانة ، كان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر ، فأمر اللّه تعالى أن يتم عهدهم إلى مدتهم ، وهو معنى قوله :
--> ( 1 ) سورة براءة آية 2 . ومعنى فسيحوا : سيروا ( 2 ) تابع لنفس الآية .