عماد الدين بن محمد الطبري ( الكيا الهراسي )
183
أحكام القرآن
يدل على أن المعاهد لا يقتل في عهده ما لم ينكث ، وذكر الأمرين لا يقتضي توقف قتالهم على وجودهما ، فان النكث يقتضي ذلك بانفراده عقلا وشرعا . فالمراد به على هذا الوجه التمييز في الجمع ، وتقديره : فإن نكثوا حل قتالهم وإن لم ينكثوا وطعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم . وهذا يقوي مذهب الشافعي ، فإن المعاهد إذا جاهر بسب الرسول وطعن في الدين فإنه يحل قتله وقتاله . . وأبو حنيفة رأى أن مجرد الطعن في الدين لا ينقض به العهد ، ولا شك أن دلالة الآية قوية فيما قاله الشافعي . فإن قيل : فلم قال : فقاتلوا أئمة الكفر ؟ ولم خصصهم بذلك مع وجود القتال من جميعهم ؟ الجواب : أن من المحتمل أن يكون المراد به أن المقدم على الطعن في الدين ونكث العهد صار أصلا ورأسا في الكفر ، فهو من أئمة الكفر على هذا التأويل ، أو عنى به المقدمين والرؤساء منهم ، وأن قتالهم قتال أتباعهم ، وأبان أنهم لا يحترمون ولا يهابون . وقد قيل : عنى به صناديد قريش ، كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية ابن خلف . وهذا بعيد : فإن الآية في سورة براءة ، وحين نزلت وقرئت على الناس استؤصل شأفة « 1 » قريش فلم يبق منهم إلا مسلم أو مسالم .
--> ( 1 ) استأصل شأفته أي أذهبه اللّه . والشأفة هي القرحة التي تخرج في أسفل القدم وتذهب بالكي .