عماد الدين بن محمد الطبري ( الكيا الهراسي )
280
أحكام القرآن
ولأنهم إذا منعوا تأويل المتشابه ، ووجب اتباع الظاهر ، تناقضت الظواهر ووقعت الأحكام العقلية والسمعية ، وهؤلاء الذين ينظرون إلى هذا الظاهر ، أو لا ينظرون إلى ظاهر الواو في دلالته على الجمع المذكور » ولم يحلوا ذلك على الابتداء وقطع المعطوف عليه ، وذلك خلاف ظاهر دلالة الواو وهذا بين » . فأما قوله تعالى : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ) ، فمثل ما روي عن الربيع بن أنس ، أن هذه الآية نزلت في وفد « 1 » نجران لما حاجوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المسيح فقالوا : أليس هو كلمة اللّه وروح منه ؛ ؟ فقال : بلى . فقالوا : حسنا ، أي أنا لا نسمع منك بعد هذا قولك إنه عبد اللّه ، بعد أن قلت إنه روح اللّه ، فنزل قوله تعالى : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) « 2 » .
--> ( 1 ) أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع أن النصارى أتوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فخاصموه في عيسى ، فأنزل اللّه : ( ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) . إلى بضع وثمانين آية منها . أنظر أيضا أسباب النزول للواحدي / 90 - 91 . ( 2 ) أي انما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه ، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ، ولهذا قال الله تعالى ( ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ) أي الإضلال لأتباعم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن ، وهو حجة عليهم لا لهم . ( وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) أي تحريفه على ما يريدون .