عماد الدين بن محمد الطبري ( الكيا الهراسي )
278
أحكام القرآن
فيستنبط منها الفوائد ، ويقاس عليها فسماها أم الكتاب : أي الأم والأصل من الكتاب . فعلى المحمل الأول ، إذا قلنا معنى أم الكتاب أن المتشابهات مردودة إلى المحكمات ، ومعتبرة بها ، ومقيسة عليها ، فالمتشابهات هي التي تحتمل معاني مختلفة ، فيتعرف مراد اللّه منها بالمحكمات . وإذا لم يقل ذلك ، فالمتشابهات يجوز أن يعنى بها ما لم يعلم معناه من آيات الساعة وغيرها ، وحروف التهجي التي ظن قوم أنها أودعت معاني لا يعلمها إلا اللّه ، وإن كان ذلك فاسدا عندنا . والمتعلق بالأحكام أن تأويل ما يتعلق بأحكام الشرع واجب ، وما لا يتعلق به فلا يجب ويجوز . وقد ظن قوم أنه لا يجوز لأنه تعالى قال : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ « 1 » فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ) ( 7 ) . وقد جعل قوم تمام الكلام عند قوله : ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ( 7 ) وجعل الواو في قوله : ( وَالرَّاسِخُونَ ) للجمع . ومنهم من جعل تمام للكلام عند قوله : ( إِلَّا اللَّهُ ) ، وأن معناه ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) يعني تأويل المتشابهات ، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين : ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) ، بما نصب من الدلائل في المحكم ، ومكن من رده اليه ، فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا : آمنا بالجميع ، كل من عند ربنا ، وما لم يحط علمنا به من الخفايا مما في شرعه المصالح ، فعلمنا عند ربنا .
--> ( 1 ) الزيغ : الميل ، ومنه زاغت الشمس ، وزاغت الأبصار ، ويقال : زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد .