الشيخ الطبرسي
57
مختصر مجمع البيان
أخبر اللّه سبحانه نوحا ( ع ) أنه لن يؤمن به أحد في المستقبل بعد الذين آمنوا به ( فَلا تَبْتَئِسْ ) أي لا تغتم ولا تحزن ( بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) فلمّا علم نوح أن أحدا منهم لا يؤمن فيما بعد ولا من نسلهم ، دعا عليهم فقال ( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ . . ) فلما أراد اللّه إهلاكهم أمر نبيه باتخاذ السفينة ( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ) أي اعمل السفينة بمرأى منا ، وقيل : أراد بالأعين الملائكة الموكلين بك على ما أوحينا إليك من أوصافها ( وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا . . ) أي لا تسألني العفو ولا تشفع لهم فإنهم مغرقون قريبا ( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ) أي وصار نوح يصنع الفلك كما أمره اللّه تعالى ( وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ . . . ) قيل : كانوا يقولون له يا نوح صرت نجّارا بعد النبوة مستهزئين به ، وكان منشأ استهزائهم به لأنه كان يعملها في البر على صفة من الطول والعرض ولا ماء هناك ، فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من فعله ، وكان نوح ( ع ) يقول لهم ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ) وذلك حين تغرقون وتهلكون ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) أيّنا أحق بالسخرية ، أو تعلمون عاقبة سخريتكم . قال ابن عباس كانت ( السفينة ) ثلاث طبقات ، طبقة للناس ، وطبقة للأنعام والدواب ، وطبقة للهوام والوحش ، وهو أسفلها ، وركب هو ومن معه في الأعلى مع ما يحتاج اليه من الزاد ، وكانت من خشب الساج . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 40 إلى 43 ] حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 40 ) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 ) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) قوله تعالى :