محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

685

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قريش في الجاهلية ؛ فتركناه في الإسلام ؛ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وبيّن أنّهما من شعائر اللّه . وقال قتادة : كان حيّ من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما ؛ فأخبرهم اللّه أنّهما من شعائر اللّه ومن سنّة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - السعي بينهما . وقالت عائشة - رضي اللّه عنها - : إنّ الأنصار في الجاهلية كانوا يهلّون بمناة الطاغية ، وكان من أهلّ بها يتحرّج أن يطوف بهما - يعني بالصفا والمروة - فأنزل اللّه هذه الآية . وقال مجاهد : قالت الأنصار : إنّما السعي بين هذين الحجرين من عمل أهل الجاهلية ؛ فأنزل اللّه الآية ليبيّن لهم أنّهما من شعائر اللّه . وقال السدّي : كانت الشياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة وكان بينهما أصنام لهم ؛ فكره المسلمون الطواف بينهما . وقال مقاتل بن حيان : إنّ الناس قد تركوا الطواف بين الصفا والمروة غير الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وعامر بن صعصعة ، سمّوا حمسا لحماسهم ( 279 آ ) وشجاعتهم وشدّتهم في دينهم ؛ فسألت الحمس رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - عن السعي بينهما أمن شعائر اللّه هو أم لا ؟ فإنّه لا يطوّف بهما غيرنا ؛ فأنزل اللّه الآية ؛ وهو قول مقاتل بن سليمان . ثمّ اختلف أهل العلم في السعي بين الصفا والمروة أهو من الواجبات أم لا « 1 » ؟ فقال أبو حنيفة والثوري وجماعة : إنّ السعي ليس بواجب ولكن من تركه فعليه دم ، وهو قول أنس وعطاء وجماعة من الصحابة قالوا : إنّ السعي تطوّع وذلك نصّ في قوله تعالى : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً وقوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ لرفع الحرج لا للإيجاب ؛ ونظم الآية على هذا القول : إنّ الصفا والمروة من معالم دين اللّه لا من معالم الجاهلية ؛ فمن تطوّف بهما كان مطيعا لا عاصيا . فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فإنّهما إن لم يكونا من الفرائض كحجّ البيت فهو من جملة الطاعات ؛ وقال الشافعي ومالك - رضي اللّه عنهما - وفقهاء الحجاز : إنّ السعي بينهما من جملة الواجبات ؛ وقالت عائشة - رضي اللّه عنها - : ما حجّ من

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : الفقه .