محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
678
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 155 ] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) النظم ومن لطائف التكليف أنّ الربّ تعالى لمّا أمر عباده بالصبر والصلاة فكأنّه عرّفهم أن نصيبهم من البلايا التقديرية والشدائد التكليفية ما يوجب الصبر عليهم والاشتغال بالطاعة ، ثمّ بيّن ذلك صريحا أنّهم يقتلون في سبيل اللّه وأنّهم أحياء عند ربّهم تسلية لقلوبهم وذلك من البلايا التكليفية ، ثمّ عقّب ذلك بالبلايا التقديرية ؛ فأخبرهم عنها قبل وقوعها ليبلو أخبارهم ويسلّي قلوبهم . قال أهل اللغة والتفسير : اللام في قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ للقسم والنون الأخيرة للتأكيد ومعناه واللّه نبلونّكم حقّا لا بدّ منه ؛ والبلوى والابتلاء من اللّه تعالى ليس لاستحداث علم ، بل لإظهار ما في التقدير من الخير والشرّ في طباع نفوس الإنسان . وقال أهل المعاني : هو لإلزام الحجّة وإظهار القدرة والكشف عن أسرار التقدير ؛ ولا يبدو من الغيب إلّا ما هو مودع فيه ؛ وأخبر تعالى أنّ الذي ينالهم من الشدّة والأذى في جهاد العدو ليس لهوانهم عليه ولا لنصرة الباطل ، بل ليستوجبوا بصبرهم ثواب الصابرين وببلائهم في الغزو ثواب المجاهدين . وقوله تعالى : بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ أي بشيء من الجوع وبشيء من النقص ، ولم يقل بأشياء ، لمكان من ؛ والشيء في معنى الجميع لأنّه اسم لما يصلح أن يخبر عنه ، ويصلح للواحد والجمع ؛ وقيل : إنّما قال بشيء من الخوف على وجه التبعيض لئلّا يكون الخوف والجوع والنقص من كلّ وجه في كلّ حال ، وهذا الخطاب خاصّ اللفظ عام المعنى في جميع الأمّة : وقال عطاء : هم أصحاب محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ؛ وقال ابن عبّاس : يريد به خوف العدو والقحط ونقص من الأموال يعني الخسران ( 276 آ ) في الأموال والمواشي والأنفس ، يعني بالموت والقتل أو المرض أو الشيب والثمرات بالخدائج أو بأن لا تخرج أصلا ، وهذا قول ابن عبّاس ؛ وقال في رواية عليّ بن أبي طلحة : أخبر اللّه المؤمنين