محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
673
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الشكر رؤية النعمة من المنعم والتعظيم له فيما أنعم ؛ ومن استعمل نعمه في معصيته لا يكون معظما ( 273 ب ) . الأسرار قال الذاكرون الشاكرون : الذكر والشكر من العبد أمران مرتّبان على الجلال والإكرام في صفات اللّه ، والذكر بجلال اللّه أولى والشكر على إكرام اللّه أحقّ وأحرى ؛ فاذكروني بجلالي ؛ إذ لا يدركني حسّ وعقل ولا ينالني وهم وخيال واشكروا لي على إكرامي ؛ إذ لا ينكرني منكر ولا يجحد إنعامي جاحد ؛ فهو المنيع ؛ فلا يرام ؛ إذ هو ذو الجلال والإكرام . وسرّ آخر : اذكروني بلا إله إلّا اللّه واشكروا لي بمحمّد رسول اللّه ، أفضل الأذكار كلمة لا إله إلّا اللّه وأشرف النعم محمّد رسول اللّه ، يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ وهو محمّد رسول اللّه ، وإنّما ذكر في مقابلة الذكر جزاء بالذكر قال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ، ولم يقل واشكروا لي أشكركم ؛ فإنّ الشكر على النعمة جزاء على النعمة والجزاء لا يستدعي جزاء ، بخلاف الذكر ، فإنّ الذكر ابتداء من العبد ؛ فيستدعى جزاء من اللّه عزّ وجلّ . وسرّ آخر : من ذكر فطرته ذكر اللّه فإنّ الإنسان إذا ذكر احتياجه ذكر المحتاج إليه ؛ ومن ذكر المحتاج إليه ذكره المحتاج إليه بقضاء حاجته وسدّ خلّته ونيل طلبته ، وأمّا الشكر فإنّما يكون على قضاء الحاجة ؛ فإذا قضى حاجته لم يبق له شيء سوى طلب المزيد فلذلك قال : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . وسرّ آخر : اذكروني بذكر رجل من عبيدي سمّيته ذكرا في كتابي : « قد أرسلنا إليكم ذكرا رسولا » وبالاتّفاق الذكر والرسول مبدل وبدل ، وأحدهما يقوم مقام الثاني ، أذكركم بكتابي الذي أنزلته على عبدي وقد سميّته أيضا ذكرا ، وأنزلنا إليك الذكر ، ورسولي هو ذكري وذكري هو كتابي ؛ فإذا ذكرتموني بأحدهما ذكرتكم بالثاني ، وإذا شكرتموني عليهما زدتكم من نعمتي وثوابي . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 153 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 ) لمّا أمر الربّ تعالى عباده بالذكر والشكر قرن ذلك بالصبر والصلاة ، إذ كانا مظهري الذكر والشكر كما سيأتي في الأسرار .