محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
653
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
في كلّ شيء ، علم الأشياء قبل كونها ، وقدّر أسبابها قبل وجودها ؛ فلا مقدّم لما أخّر ولا مؤخّر لما قدّم ، لا مبدّل لكلماته ولا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه ، وأنّ للّه تعالى حكما مبتدأ في كلّ شيء ؛ فظهر المعلوم بالموجود ، ويتقدّر المسبّب على السبب ، فيقدّم ويؤخّر ويبدّل ويحوّل ويمحو ويثبت حتّى يتحقّق المفروغ بالمستأنف . فتارة يعبّر عن العلم الأوّل بالظهور وتارة يعبّر عن الظهور بالعلم . والذي أوّل ليعلم بعلم النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - قد قرب من المعنى ؛ إذ النبيّ لمّا كان نائب الحكم المستأنف فعلمه علم اللّه ، كما أنّ حكمه حكم اللّه ، وطاعته طاعة اللّه ، ومحادّته ومحاربته محادّة اللّه ومحاربته ، إلى أن يقول : « مرضت فلم تعدني ورمدت عيناي فلم تعدني . » فالمفروغ إنّما يظهر بالمستأنف ولولا المستأنف ما ظهر المفروغ ؛ والمستأنف إنّما يصدر عن المفروغ ولولا المفروغ ما صدر المستأنف ، فإذا عرفت الحكمين واطّلعت على الكونين سهل عليك تأويل إلّا لنعلم وأمثاله في القرآن و فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ، ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ . وسرّ آخر : في قوله وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ، أي كما فضّلناكم بالحنيفية والإسلام كذلك جعلناكم أمّة وسطا ، وليس نشكّ أنّه ما عنى به الأمّة عموما على اختلافها وتفرّقها ، بل أمّة خاصّة هي المعيّنة بقوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وهي المعيّنة بقوله تعالى : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ . وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً إشارة إلى الأمم العامّة مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ إشارة إلى الأمّة الخاصّة ، ثمّ وصف الأمّة الخاصّة بالوسط ، وقد قيل في التفسير : الخيار العدل ، والخيار من هو كلّه خير ، كما قالوا : « نحن أصل الخير » ، والعدل من هو كلّه مستقيم معتدل . وإذ أخبر الربّ تعالى عن جعله إيّاهم كذلك وربط بهذا الحكم ( 265 آ ) فعلة كمالية ليكونوا شهداء على الناس ؛ فالشاهد العدل يجب أن يكون عالما بما يشهد على الناس ، فهم شهداء اللّه في أرضه وأمناؤه على خلقه ، وحججه على عباده ، والوسائل إليه ، وأبواب رحمته ، وليس حكمهم في الدنيا ممّا يخالف حكمهم في الآخرة ؛ فإذ كانوا شهداء اللّه لرسله بتبليغ الرسالة ولأممهم بالقبول والردّ وذلك يوم القيامة ؛ كذلك هم شهداء اللّه في أرضه بإثبات التوحيد ونفي الأنداد وتصديق الأنبياء وكسر