محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
646
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وقال أبو العالية والربيع : كان - صلّى اللّه عليه وآله - مخيّرا بين القبلتين في الابتداء من غير أن فرض عليه ، وعلى هذا لم يكن استقباله المقدّس عن اجتهاد ؛ والصحيح أنّه كان مأمورا به . [ الأسرار ] قال العلماء من الناس : من حسن إسلامه لم يجد في نفسه حرجا فيما قضى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ولا خطر بباله اعتراض بكيف ولم ( 261 ب ) ولا جرى على لسانه سؤال وطلب علّة وحكمة ، بل سلّم تسليما وفوّض إليه الحكم والعلم تفويضا إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ؛ وتحويل القبلة كتحويل السجود لآدم - عليه السلام - ، وتسليم المؤمنين كتسليم الملائكة ، وإنكار المنكرين كإنكار ذلك اللعين ، و ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ على مذاق « أأسجد لبشر » ، ومن كان قائلا بالأمر بعد الخلق ومتّبعا لصاحب الأمر حقّ الاتّباع لم يخطر بباله لم وكيف ، ومذهب قوم من لم يقل لأستاذه : لم ؟ لم يعلم شيئا أبدا ، ومذهب قوم من قال لأستاذه : لم ؟ لم يفلح أبدا . وسرّ آخر : في قوله : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي الجهات كلّها بالنسبة إلى جلاله واحدة وتعيين جهة مخصوصة بأمره تعالى ؛ فيجب أن تكون مقصورة على أمره ، وعن هذا قيل : كلّ من لم يعيّن جهة للطاعة لم تصح طاعته ، ومن عيّن جهة في المعرفة لم تصحّ معرفته ، وراعى في جانب الطاعة حكم الشريعة ، وراعى في جانب المعرفة حكم القيامة . وسرّ آخر : في قوله : يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ليس يشعر ذلك بأنّ من كان على القبلة لم يكن على صراط مستقيم ؛ فإنّ الصراط المستقيم ما يأمره ؛ وإذ كان التوجّه إلى القبلة الأولى مأمورا به كان المتوجّه إليها على صراط مستقيم ؛ وإذ كان التوجّه إلى القبلة الثانية مأمورا به كان المتوجّه إليها على صراط مستقيم ، والصراط المستقيم في التنزيل طريق ويفضي بصاحبه إلى الخير في الدنيا وإلى الجنّة في العقبى ، وهو في التأويل رجل من الرجال الذي هو على صراط مستقيم ؛ فيكون هو الصراط ، والصراط معرّف به تارة ومتّحد به تارة .