محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1055

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

بالشرّ وقال : وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ فرقا بين اللفظين وتمييزا بين الكلمتين ، وإن كان أهل اللغة لا يفرّقون بينهما ؛ لأنّهم لا يعرفون هذه الدقيقة ؛ وكما يفرق بين الفطرة والاكتساب حتّى يكون الخير كلّه في الفطرة وأنّها متوجّهة إلى الخير على كلّ حال ؛ وإن كان شرّ فهو في الاكتساب ، فهو الصارف للفطرة عن جهة الخير إلى جهة الشرّ ، والأنبياء - عليهم السلام - كلّهم يدعون الناس إلى الفطرة ، ويذكّرون بالفطرة ، ويصرفون الاكتساب عن الشرّ إلى الخير ، وعن التكلّف إلى الطبع ؛ والخير عادة والشرّ لجاجة . وسرّ آخر : في الآية ثلاث دعوات على صيغة النفي وثلاث دعوات على صيغة الإثبات . فأمّا التي على صيغة النفي : أوّلها : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » والخطأ والنسيان وإن كانا ( 432 ب ) على غير اختيار العبد ؛ فإنّ الخطأ ينافي العمد ، والنسيان ينافي العلم . لكنّ الإنسان إذا اعتاد ترك التحفّظ والاحتياط في كلّ عمل كثر خطأه ، وإذا اعتاد الغفلة واللهو واللعب كثر نسيانه ؛ فلا يؤاخذ على ذلك ؛ واللّه سبحانه رفع عن هذه الأمّة الخطأ والنسيان ؛ فلا يؤاخذ العبد إذا نسي أو أخطأ . وثانيها : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا وإنّما الأثقال التكليفية في الأوامر والنواهي كانت محمولة على الذين من قبلنا لأسباب باشروها ، كما أخبر تعالى عنهم : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ فكلّما تجدّد منهم سبب في الشرّ أغلق عليهم باب من الخير ، وهذا لم يرفع عن هذه الأمّة . فمعنى قوله : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أي احفظنا عن أسباب ذلك الإصر بالإصرار على المعاصي ؛ فلا تحمل علينا ثقل الأوزار كما حمل على الذين من قبلنا . وثالثها : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وهذا غير الإصر ، بل تكليف ما لا يطاق من صفات أهل النار ؛ إذ يقول الكافرون لخزنة جهنّم : ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ والتخفيف في التكليف من صفات أهل الجنّة : يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ . فجميع حركات أهل الجنّة اختيارية : لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها