محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1028

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

المستفاد من الشرع ، ولكنّ العقل المرتاض بأمر الشرع يحكم بأنّ تلك الزيادة نقصان وأنّ ذلك النقصان زيادة ، إمّا في الحال وإمّا في المآل ؛ وكم قد رأينا مالا قد ازداد بالربا ثمّ انتقص وتلف بمرّة واحدة ، وكم رأينا مالا قد انتقص بالصدقة ثمّ ازداد بركته وكثر خيره في الحال وحكم الآخرة على مثال ذلك . وسرّ آخر : العقود الشرعية توجب أحكامها من ملك النكاح وملك اليمين ، وتحلّ ما حرّم قبل العقد ، وهي كلمات اللّه تعالى ، كما قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « اتّقوا اللّه في النساء فإنّهنّ عندكم عوان استحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه . » فكانت المرأة قبل النكاح أجنبية محرّمة ، فاستحلّت بكلمة اللّه وهو العقد الشرعي ، وكذلك ملك اليمين كان المال قبل عقد البيع حراما ، فاستحلّ بالعقد وهو كلمة اللّه ؛ وإذا عرى الحكم عن العقد الشرعي عرى عن كلمة اللّه ، ووقع عليه كلمة الشيطان ، فيكون في ملك النفوس زنا ، وفي ملك الأموال ربا ؛ فتزول روح الكلمة الشرعية الربّانية عن الملكين ؛ فتزول البركة والخير عن الحكمين ، وذلك هو المحق الذي قال اللّه تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ؛ وعلى خلاف ذلك يربي الصدقات بإنزال البركات ، وكلمة اللّه هي تحيي الأموال وتربي الثمرات ، وكما أنّ كلّ موجود من موجودات العالم لا يخلو عن ملك يحفظه كذلك كلّ ملك من الملائكة لا يخلو من كلمة تحفظه ، حتّى قيل : مع كلّ موجود كلمة فعّالة ، وبإزائه على التضادّ كلمات الشياطين وهي السفلى ، وكلمة اللّه هي العليا وهو العزيز الحكيم . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 278 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) ( 422 آ ) النظم قد أخبر في الأوّل بقوله : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى ثم عقّب ذلك بالأمر جزما مقرونا بالوعيد على الترك ليعرف أنّ الربا حرام أكله وعقده فقال : اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا .