محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1023
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الخضر كيف أحصر موسى - عليهما السلام - فلم ييأس منه حين قال : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً . وقد قيل : العجز إذا بلغ الكمال فهو القدرة ، والفقر إذا بلغ النهاية فهو الغنى . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 274 ] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 274 ) النظم وكما ذكر الربّ تعالى أشرف خصال المستحقّين عقّب ذلك بذكر أشرف خصال المؤمنين المنفقين ليلا ونهارا ، سرّا وعلانية . روى مجاهد وعطاء عن ابن عبّاس قال : كان عند عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - أربعة دراهم لا يملك غيرها ، فتصدّق بدرهم سرّا وبدرهم علانية وبدرهم ليلا وبدرهم نهارا ؛ فأنزل اللّه هذه الآية ؛ وكذلك رواه أبو صالح عنه وزاد ؛ فقال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - لعليّ : ماذا حملك على ما فعلت ؟ قال : أردت أن أستوجب من اللّه ما وعدني فقال - عليه السلام - : ألا إنّ ذلك لك ؛ وهو قول مقاتل ( 420 آ ) وجويبر عن الضحّاك ؛ وقال في رواية الضحّاك : لمّا نزل لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بعث عبد الرحمن بن عوف إليهم دنانير كثيرة إلى أصحاب الصفّة حتّى أغناهم ، وبعث عليّ بن أبي طالب في جوف الليل وسقا من تمر وهو ستون صاعا ، وكان أحبّ الصدقتين إلى اللّه - عزّ وجلّ - صدقة عليّ بن أبي طالب فأنزل فيهما هذه الآية ؛ وقال أبو أمامة وأبو الدرداء والأوزاعي : إنّ هذه الآية في الخيل تربط في سبيل اللّه ؛ وقال قتادة : الآية في الذين ينفقون بلا إسراف ولا تقيّة . وقوله : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال الزجّاج والأخفش وقطرب : « 1 » جعل الخبر بالفاء في قوله : « فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ » إذ كان الاسم الذي وصل به الفعل في معنى « من » ، فالمعنى من أنفق كذا فله أجره ؛ والفاء في مثل هذا الموضع للاتّباع دون العطف ، وبالفاء يرتبط الكلام أوّله بآخره لا غير .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو .