محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1010
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الأسرار قال المنفقون من الطيّبات : الإنفاق على ابتغاء مرضاة اللّه من علامات الإيمان ، وحسن الإنفاق من علامات حسن الإيمان ، وكما يختار أخاه على نفسه بالإنفاق كذلك يختاره على نفسه بأطيب ما يكون عنده وأحبّه إليه . قال اللّه تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ولا شيء أحبّ إلى الإنسان ( 415 آ ) من روحه التي يعيش بها . فالمؤمن يؤثر روحه على روحه وذلك أعلى درجات الإيثار ، ودونه أن يؤثر ماله على ماله ويأكل الرديء من ماله وينفق الجيّد على صديقه ؛ وبخلاف ذلك حال المنافق البخيل يكسب خبيثا ويأكل خبيثا وينفق خبيثا . وسرّ آخر : الطيّبات من الرزق المكتسب إمّا حلالاته وإمّا جيداته تثمر عند اللّه بالإنفاق ثمرات طيّبة باقية صالحة ، والخبيثات من الرزق المكتسب تثمر عند الشيطان بالإنفاق ثمرات خبيثة فانية غير صالحة . وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً . فمن ثمرات الأوّل في الحال انشراح الصدر للإيمان ، وانفتاح القلب بالإيقان ، وحسن الخلق مع الخلق ، وانقياد النفس لأحكام الحقّ ، وتسليم العقل لمجاري التقدير ؛ فتتزكّى نفسه بالزكاة ، ويصدق عقله بالصدقة ، ويطيب مرجعه ومآله بالطيّبات منهما ؛ ومن ثمرات الآخر في الحال انقباض الصدر عن قبول الإيمان ، وانغلاق القلب عن حلول الإيقان ، وسوء الخلق مع الخلق ، وإنكار النفس ، واستكبار العقل ولهم في المآل مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ؛ ولا تظنّنّ أنّ تصحيح النظر العقلي بالميزان المنطقي فوق تصحيح النظر العقلي بالإنفاق في سبيل اللّه . قال اللّه تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وتيسير الأمور تقويم العقل وتصحيح النظر . وسرّ آخر : الإنفاق من طيّبات الكسب يوازن الإنفاق من طيّبات القول ؛ وأطيب الأقوال كلمة الشهادة ، كما أنّ أخبث الأقوال كلمة الشرك ؛ وكما أمرنا الربّ تعالى بالإنفاق من طيّبات الكسب مالا كذلك أمرنا بالإنفاق من طيّبات الكلام مقالا ، وكذلك ما نهانا عنه من الخبيثات المالية نهانا عنه من الخبيثات القولية ، ومثل الكلمة الطيّبة كالشجرة الطيّبة أصلها