محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1008

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

والآخر ؛ وذلك كلّه لأنّ مبنى علمهم على الربوة ومصدر علمهم هو الكتاب والسنّة ؛ والعلوم التي تتلقّى من الرأي والهوى كجنّة في وهدة فيها نخيل وأعناب ومن كلّ الثمرات أشجار هي الحكم اليونانية والعلوم الفلسفية والمعاني العقلية . تجري من تحتها الأنهار هي الأنهار المختلفة والآراء المتضادّة ، وقد تربّى عليها الرجل من صغره إلى كبره ، واستأنس بها من بدء نشوئه إلى آخر عمره ؛ وله ذرّيّة ضعفاء ممّن أخذ منه وتتلمذ له وأسند إليه ؛ فأصابه إعصار فيه نار ، فاحترقت ، والإعصار هو الريح الدائر المتصاعد كالعمود ويسمّيها العامّة ريح الشيطان ، وفيها النار نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ وكما أنّ الإعصار يحدث من رياح مختلفة المهابّ كذلك النّحل والمذاهب تحدث من آراء أو أهواء مختلفة المداخل والمخارج ؛ والنار فيها نار العصبية والتقليد ، نار وسواس الشيطان وتسويل النفس ، نار الجهل المتمكّن والاعتقاد الفاسد والرأي الفائل والمذهب المتضادّ والفتوى المتناقض ؛ وهي تطّلع على الأفئدة وتختصّ بالقلوب . وهي أشدّ تأثيرا من النار التي تشوي الوجوه وتنضج الجلود . وسرّ آخر : إن قلت : إنّ المثلين مقدّران على اتّفاق الفريقين المؤمنين والمنافقين . قلت : إنّ المؤمن لمّا استوى ظاهره وباطنه استوى المثل في حقّه أوّله وآخره ، بل تضاعفت أواخره ، فآتت أكلها ضعفين ، وإنّ المنافق لمّا لم يستو ظاهره وباطنه لم يستو المثل في حقّه أوّله وآخره ، بل حبطت أواخره ، فأصابه إعصار فيه نار ، فاحترقت ؛ فالمنافق يحظى بإنفاقه في الأوّل حتّى تكون له جنّة من نخيل وأعناب ، وييأس عن إنفاقه في الأواخر حتّى لا يبقى له شيء في وقت هو أحوج ما يكون إليه من عجزه وكبره وكثرة ذرّيّته الضعاف . ( 414 ب ) قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 267 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 ) النظم ثمّ أمر اللّه تعالى المؤمنين بالإنفاق من الطيّبات لتكون ثمراتها طيّبات زاكيات ناميات