محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
633
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وسمّي إبراهيم حنيفا لأنّه مال عن الأوثان إلى التوحيد ؛ فيقال لمن دان بدينه حنيفا وهو قول الأصمعي وابن دريد . قال الأخفش : الحنيف المسلم وكان يقال في الجاهلية لمن اختتن وحجّ البيت : حنيف ؛ لأنّ العرب ما دانت بشيء من دين إبراهيم إلّا الحجّ والختان ؛ وقال ابن قتيبة : الحنيف المستقيم وسمّي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته ؛ وقال محمّد بن كعب القرظي : إنّما يقال لمن مال قدمه أحنف تفاؤلا بالسلامة كما يقال للمهلكة : مفازة ، وللديغ : سليم ؛ وقال ابن جرير : إنّ الحنيف هو المستقيم وكلّ من استقام على دين إبراهيم فهو الحنيف . وأمّا انتصاب « 1 » حنيفا فعلى وجهين : أحدهما ما قاله البصريون إنّه انتصب على الحال ، والثاني ما قاله الكوفيون إنه انتصب على القطع ، ومعناه بل ملّة إبراهيم الحنيف . وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : أي معهم على دينهم . الأسرار قال الحنفاء للّه : إنّ الحنيفية والصبوة متقابلتان تقابل التضادّ ، والحنفاء والصابئون كانوا فرقتين في أيّام إبراهيم - عليه السلام - تقابلان تقابل أصحاب الحديث والخبر وأصحاب الرأي والنظر . فالحنفاء يتعصّبون للرجال ويرون الكمال في الأشخاص ويتّبعون الأنبياء - عليهم السلام - ويسلّمون لأحكامهم تسليما ويؤثرون الفطرة على الاكتساب ، والإسناد على الاستبداد ، والنصّ على الرأي والقياس ، ويفضّلون ( 256 آ ) الجسماني على الروحاني ، والنبيّ على الملك ، والطين على النار ، والبشرية المركّبة من الطبائع الأربعة على الملكية البسيطة المفردة المجرّدة عن الموادّ والطبائع . وأمّا الصابئون فيتعصّبون للهياكل العلوية والأصنام السفلية والروحانيات المدبّرات ، ويؤثرون الاكتساب على الفطرة ، والبصيرة على التقليد ، والرأي والقياس على النصّ المخالف للعقل ، ويفضّلون الروحاني على الجسماني ، والملك على النبيّ ، والبسيط المجرّد عن الموادّ والطبائع على المركّب منها .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو .