محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

980

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

هو التكلّم في جلال اللّه بالتشبيه والتعطيل ، وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « إذا بلغ ( 402 ب ) الكلام إلى اللّه فأمسكوا » 177 وجميع مسائل الفلاسفة والمتكلّمين محاجّات في اللّه ومجادلات في صفات اللّه ؛ وقد قال تعالى : وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ فالجدال في اللّه هو سبب إرسال الصواعق وأيّ صاعقة أعظم من نفس الجدال في اللّه . وسرّ آخر : كان الطاغي معارضا في الأوّل بمثل ما كان يدّعيه الخليل - عليه السلام - إمّا من حيث اللفظ وإمّا من حيث المعنى ، ومبهوتا في الآخر بالإلزام المفحم الذي لا معارض له ، وهكذا يكون حال الحقّ والباطل والمحقّ والمبطل ؛ فإنّ الباطل يشابه الحقّ في الأوّل وربّما يقوى عليه ، ويباين الحقّ في الآخر ، والعاقبة له قوّة واستيلاء وإفحاما وإقداما ، فكذلك لمّا قال الخليل - عليه السلام - ربّي الذي يحيي ويميت ، قال الكافر : أنا أحيي وأميت . قال : فإنّ اللّه يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ، وهي المباينة . وسرّ آخر : أنّ الخليل - عليه السلام - كان مدّعيا في قوله : ربّي الذي يحيي ، ويميت لا محتجّا على خصمه ؛ والدعوى قد تعارض بالدعوى ؛ فلمّا شرع في الاحتجاج أو قال : إنّ اللّه يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ؛ فلم يكن منتقلا من دليل إلى دليل ، بل كان منتقلا من الدعوى إلى الدليل . وهذا هو سبيل المحاجّة والمناظرة . وسرّ آخر : أنّ الخصم الذي حاجّ إبراهيم في ربّه كان رجلا طبيعيا ، وكان ينكر ترتّب العقول وإثبات المعقول فوق الطبائع ؛ فامتحن طبيعة الخليل - صلوات اللّه عليه - بطبيعة النار ؛ فوجدها بردا وسلاما على إبراهيم ؛ ففسد اعتقاده في الطبائع . ثمّ امتحن عقل الخليل بالمحاجّة في ربّه ؛ فوجده ظاهرا على عقله بالحجّة والبرهان ؛ ففسد اعتقاده في تساوي العقول ؛ فبهت وتحيّر ، وحار طبعه في الطبائع وتأثيراتها ، وحار لبّه في العقول وتساويها ؛ فاضطرّ إلى إثبات العقول فوق الطبائع حين قال الخليل - عليه السلام - : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فأفحمه وألزمه ؛ فقالها إفحاما بالفعل حين لم تؤثّر طبيعة النار في طبيعة الخليل ؛ إذ كانت طبيعته فوق طبيعة النار ، وقالها إلزاما بالقول