محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

952

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وآخر عن يمينه وآخر عن شماله ، وخرج ؛ فلمّا أصبح طالوت ورأى السهام فعرفها ، فقال : يرحم اللّه داود وهو خير منّي . ظفرت به ، فقصدت قتله وظفر بي فما قتلني ، ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي فما آمنه أبدا . ولمّا كان القابل أتاه ثانيا ، دخل عليه وهو نائم ، فأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضّأ منه وكوزه الذي يشرب ( 391 آ ) منه ، وقطع شعرات من لحيته وخرج وتوارى . فلمّا أصبح طالوت ورأى ذلك سلّط على داود العيون ، وطلبه أشدّ الطلب ، فلم يقدر عليه ؛ وركب يوما في طلبه ، فوجده يمشي في بريّة ، فقال : اليوم أقتله ، أنا راكب وهو ماش ؛ فشدّ الفرس ، فلم يدركه ، فدخل غارا ، فأوحى اللّه إلى عنكبوت ، فنسج عليه بيتا ، فتخطّاه طالوت ، وانطلق داود ، وأتى الجبل مع المتعبّدين فتعبّد فيهم ، وطغى العلماء والعبّاد على طالوت في شأن داود ، وكان يقتل كلّ من ينهاه عن قتل داود ، ثمّ ندم على ذلك كلّه ، فأخذ في التحسّر والندامة والبكاء حتّى رحمه الناس ؛ وكان كلّ ليلة يخرج إلى القبور ؛ فيبكي وينادي : أنشدوا اللّه عبدا يعلم أنّ لي توبة إلّا أخبرني بها ؛ فناداه مناد من القبور : يا طالوت ! أما ترضى أن قتلتنا حتّى تؤذينا أمواتا كما آذيتنا أحياء ؟ ! فازداد بكاء وحزنا ، فقال لجبّار من أصحابه : أتدري على وجه الأرض عالما يخبرني عن جرمي وتوبتي ؟ قال : مثلك مثل رجل نزل قرية عشيّا ، فصاح الديك ، فتطيّر به ، فقال : لا تتركوا في القرية ديكا إلّا ذبحتموه ، ثمّ قال حين نام : إذا صاح الديك فأيقظوني . قيل له : وهل أبقيت في القرية ديكا ؟ وأنت يا ملك ! هل تركت عالما في الأرض تسأل عنه شأنك ؟ فازداد بكاء ، فقال الجبّار : إن دللتك على عالم لم آمن عليك قتله فعاهده ، ودلّه على عجوز من بني إسرائيل ؛ فأتاها وأظهر لها ندامته ، قالت : واللّه لا أعلم لك من توبة ولكن أدلّك على قبر نبيّ . فانطلق وهي بين يديه حتّى أتى قبر إشموئيل - عليه السلام - ، فصلّت ودعت ونادت صاحب القبر ، فخرج إشموئيل من القبر ، فقال طالوت : هل لي من توبة ؟ قال ما فعلت ؟ قال : لم أدع شيئا من الشر إلّا فعلته وجئت أطلب التوبة . قال : كم لك من الولد ؟ قال : عشرة رجال . قال : ما أعلم لك من توبة إلّا أن تخرج أنت وأولادك في سبيل اللّه ، ثمّ تقدّم أولادك واحدا فواحدا حتّى يقتلوا بين يديك ، وتتقدّم بعد ذلك تقاتل حتّى تقتل في سبيل اللّه فذلك توبتك . ثمّ رجع إشموئيل إلى القبر وسقط ميتا