محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

944

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قال سبحانه : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ، روى ابن جريج عن ابن عبّاس قال : قال الذين شربوا لا طاقة لنا اليوم . وقال السدّي : كانوا أربعة آلاف حين عبروا معه ، فقال أكثرهم : لا طاقة لنا اليوم ؛ فرجع ثلاثة آلاف وستّمائة وسبعة وثمانون رجلا وبقي معه عدّة أهل بدر وهم الذين قالوا : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ واختاره ابن جرير . الأسرار قال المعتبرون بقصص القرآن : إنّ في هذه القصّة امتحانات وعبرا كثيرة لا يحصيها إلّا اللّه ، والراسخون في العلم يقولون آمنّا بها مجملها ومفصّلها . فمن عبرها أنّ الملأ من بني إسرائيل هم الذين سألوا نبيّهم - عليه السلام - سؤال تحكّم ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اتّكالا على حولهم وقوّتهم . قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا وكان الأمر كما قال النبيّ ، وظهر من سوء أدبهم في التحكّم على النبيّ أنّه لمّا عيّن الملك طالوت قالوا : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ نسبا وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ فينفق علينا أحيانا . فيا للّه العجب من تناقض في القول والفعل والوعد والخلف وقولهم : أنّى يكون له الملك علينا بعد تصديق النبيّ كقول اللعين الأوّل : أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، * أأسجد لبشر ؟ ! بعد تسليم اللّه في الحكم ، فكأنّهم ما صدقوا ذلك النبيّ حقّ التصديق كما لم يسلّم اللعين لحكم اللّه حقّ التسليم ؛ ومثل ذلك كثير في هذه الأمّة من احتكامات على النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ثمّ انتكاصات عنه ، ومن اعتراضات على حركاته ، وانتكاسات فيه ، يتبيّن فيها المؤمن من المنافق ، والمسلّم من المنكر ، وحقّ المؤمن حتّى يصحّ إيمانه التحكيم في جميع ما يختلف فيه من الحركات : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ وحقّ المؤمن حتّى يتمّ إيمانه أن لا يجد في نفسه حرجا ممّا قضى ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وحقّ المؤمن حتّى يكمل إيمانه التسليم على ما يعلم وعلى ما لا يعلم وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ؛ فالقوم حكّموا وما سلّموا ، فكأنّهم ما حكّموا .