محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
625
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ : أي في الدار الآخرة . لَمِنَ الصَّالِحِينَ : أي مع آبائه الأنبياء في الجنّة . هذا قوله في رواية أبي صالح . قال الحسن : من الذين استوجبوا من اللّه الكرامة وحسن الثواب ؛ وقال الزجّاج : من الفائزين . قال الحسن بن الفضل : تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنّه لمن الصالحين . الأسرار قال الراغبون في الملّة الحنيفية : إنّ دين إبراهيم - عليه السلام - الحنيفية الخالصة ، والحنيفية إثبات الكمال في الرجال ، وترجيح الفطرة على الاكتساب ، والتسليم على البصيرة ؛ وذلك هو المناسب لطبع الإنسان ؛ ومن أنكره فقد أنكر ( 252 ب ) الفطرة ؛ فلذلك قال : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي جهل الفطرة وأنكرها . السفاهة جهل فيه عناد وإنكار . وسرّ آخر : أنّ ما مضى في مقامات إبراهيم - عليه السلام - ملّته ودينه وهي إتمام الكلمات ، ورفع القواعد من البيت ، وتطهيره للطائفين والعاكفين ، وإظهار المناسك فيه ، والدعاء لذرّيّته الطاهرين بإثبات الإمامة لهم ، وبعث الرسول النبيّ الأمّيّ فيهم ومنهم ، وإظهار النور المخفي عليهم ، وبقاء الكلمة في عقبه إلى يوم الدين ، كلّ ذلك ملّته ودينه ؛ ومن يرغب عنها إلى غيرها وغيّر وضعه ومنهاجه فيها فقد عاند نفسه ، وأنكر حسّه ، وباهت عقله ، وتابع جهله . وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا فهو الصفوة من كدرها ، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ؛ إذ هو الصالح لقبول الفيض من أنوارها ؛ وإنّ ما سيأتي بعد ذلك من قوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ كالعلّة المبيّنة للملّة ، والبيان المعلّل بالعلّة الجامعة لمعاني الحنيفية السمحة السهلة . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 131 ] إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) النظم قال بعض المفسّرين : إنّ ارتباط « إِذْ » بما مضى من قوله : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا