محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

869

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقال بعض أهل المعاني : إصلاح أموالهم بالتثمير والتجارة والاسترباح خير ؛ وقال الضحّاك : مخالطتهم بركوب الدابّة وخدمة الخادم وشرب اللبن ؛ إذ قام على مال اليتيم ؛ وقال : عرّفهم اللّه تعالى أنّ الأصل في ولاية أموال اليتامى الإصلاح لهم والإحسان بحالهم ؛ لأنّهم إخوانكم في الدين وبعضكم من بعض ؛ وقال الزجّاج : كان العرب في الجاهلية يظلمون اليتامى ؛ فيتزوّجون منهم العشر ويأكلون أموالهم ظلما مع أموالهم ؛ فشدّد اللّه عليهم تشديدا خافوا معه التزوج باليتامى ومخالطة أموالهم ؛ فأعلم اللّه أنّ الإصلاح لهم خير في التزوّج والمال ؛ وقال ابن بحر : أراد به القوام على اليتامى في قوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى وأراد بالإصلاح التأديب والتقويم ، كما يفعل المرء بابنه وأخته ؛ وأراد بالمخالطة المصاهرة والمناكحة . وقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ فيجازي كلّ واحد على عمله ؛ وقال أبو عبيد : الشاهد في الأسفار قريب من هذه المخالطة ؛ فيخرج كلّ واحد من الرفاق طائفة من ماله ؛ فيخلطونها ويجتمعون عليها في الأكل . قال : فلمّا وسّع اللّه على القوّام في أموال اليتامى فهو على الرفاق أوسع . ثمّ قال : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ، الإعنات « 1 » هو الحمل على المشقّة التي لا تطاق حملا . يقال : أعنت فلان فلانا إذا أوقعه فيما لا يستطيع ؛ ومنه يقال : عقبة عنوت أي كؤود شاقّ . والمعنى : لو شاء اللّه لضيّق عليكم وحمّلكم المشاقّ . قال السدّي : لشدّد عليكم ، قال عطاء : لأدخل عليكم المشقّة كما أدخلتم على أنفسكم ؛ وقال ابن عبّاس « 2 » : أي لجعل ( 359 ب ) ما أصبتم من أموالهم موبقا ؛ والعنت الشدّة والعسر ، ومن حرّم عليه شيء فقد ضيّق عليه ، وكان المعنى ولو شاء اللّه لحرّم ما أحلّه لكم ؛ فيشقّ عليكم ولكنّه وسّع ويسّر . هذا معنى قول ابن عبّاس وقتادة ، أي لم تؤدّوا فريضة ولم تقوموا بحقّ ؛ وقال الكلبي : لأعنتكم لإثمكم في مخالطتكم ؛ فجعلها حراما ؛ ونحوه قال مقاتل والضحّاك . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في سلطانه لا يمنعه مانع ممّا أحلّ بكم من العقوبة ، فلعزّته لا يمتنع عليه فعل شيء ولحكمته يفعل ما يريد ، ويقال « 3 » : هو حَكِيمٌ في جميع أفعاله من الإعنات لو أعنتكم ، وفي أفضاله وتيسيره الذي خصّكم به ، ففي كلّ طرف حكمة .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 3 ) . في الهامش عنوان : المعاني .