محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
866
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ينحدر من عل ؛ فتحتمل كلّ ما يستقبلها من غثاء الغذاء مهضوم وغير مهضوم ؛ فتذهب به إلى أطراف البدن ثمّ إنّها تنطفئ قبل هضمها ؛ فتبقى تلك الأجزاء في غير مواضعها نيّة مستحيلة فاسدة ؛ فيتولّد منها وجع المفاصل والنقرس وعرق نسا والرعدة والرعشة والتشنج ، وتختلف العلل العارضة منها على حسب اختلاف الموادّ الغريبة فيها ؛ فتزيد المضارّ البدنية على منافعها البدنية ، بله الإثم الذي هو أكبر من نفعها . وسرّ آخر : أنّ من الأشخاص من طبيعته طبيعة الخمر في الكبر على الرجال ، ومنهم من طبيعته طبيعة الميسر في الحرص على جمع المال ؛ فهو خمر مشخّص أو ميسر مشخّص ؛ فيثور منهما جماع الإثم والشرّ والفساد وأحدهما سبع والثاني بهيمة ؛ وكما أنّ من الناس من هو كالأنعام ، بل هم أضلّ كذلك من الناس من هو كالخمر والميسر بل هم أركّ وأرذل ؛ وذلك من يكون الإثم في نفسه أكبر من نفعه في لسانه ، والشرّ أكثر من خيره في طباعه وكيانه . وسرّ آخر : لمّا ذكر أنّ في الخمر والميسر منافع للناس ، وإنّما يكون ذلك ببذل المال ؛ عقّب ذلك بذكر الإنفاق ؛ فإنّ فيه منافع للناس ؛ فسألوه عن مقدار الإنفاق قال : قُلِ الْعَفْوَ ( 358 آ ) وهو الفضل من المال ؛ وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « طوبى لمن أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله . » فما ينفقه المرء من فضل ماله باختياره أفضل ممّا ينفع الناس بقماره لا باختياره ؛ ففي الميسر إنفاق بالقمار لا بالاختيار ، فلا يكون ذلك من سخاء النفس ، بل الشحّ مضمر فيه ؛ فلا القامر سخيّ ولا المقمور سخيّ ؛ وفي القمار شحّ مطاع ؛ فإنّهما يتغالبان على الأخذ لا على الإعطاء ؛ والمنفق في سبيل اللّه من عفو ماله لا تنازعه نفسه على الإعطاء ؛ وربّما يزيد على العفو : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . هذا في القمر ؛ وأمّا في الخمر فما يعطيه السكران في سكره ليس على بصيرة من عقله وتمييز من نفسه : يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما 120 بخلاف المنفق في سبيل اللّه بالعفو من ماله ، والعفو من طباعه ، والسماحة من نفسه ، يعطي كرما ويمنع حكمة . وسرّ آخر : أنّ الخمر والميسر مثابتهما في الأقوال مثابة البدع والضلال ، وكما أنّ الخمر