محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
850
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الأسرار قال المجاهدون في سبيل اللّه : إنّ القتال كان واجبا مشروعا في كلّ أمّة قد بلغت حجّة اللّه عليهم نهايتها وظهر عنادهم لها وإنكارهم عليها ؛ فكان القتال امتحانا للمؤمنين ببذل المال والنفس وعقابا للكافرين بإهلاك النفس وأخذ المال ؛ وإنّما يكون وقته إذا فوتت الحجّة وظهرت المحجّة وعلت كلمة اللّه على كلمتهم السفلى ( 350 ب ) واتّفقت الهجرة عنهم إلى أرض أخرى ؛ فحينئذ يباشرون القتال ويبذلون النفوس والأموال ويحلّ لهم الغنائم والسبايا ؛ والدين كلّه جهاد ، والجهاد قولي وفعلي ، وأوّل الجهاد القولي كلمة « لا إله إلا الله » تقريرا للتوحيد ونفيا للأنداد ؛ وكلّ إلزام على الخصم بحجّة وبرهان فهو جهاد يميت ويحيي ؛ ويتعاهد الجهاد بقاء الدين والإسلام وكذلك الصلاة جهاد في المحراب ، والصوم جهاد على النفس بالارتياض ، والزكاة جهاد بالمال ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاد ، والجهاد في سبيل اللّه إعلاء لكلمة اللّه أفضل الجهاد وأتمّه وأكمله ؛ وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر . » 108 شبّه به الاحتجاج على المنافقين باللسان امتثالا لأمره تعالى : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ . * قيل في التفسير : جاهد الكفّار بالسيف والسنان ، والمنافقين بالحجّة والبرهان وباللسان ؛ وقد شرع فيه ؛ فقطعه الأجل المحتوم دونه ، وبقي التكليف دينا في ذمّته ، فقال لعليّ - رضي اللّه عنه - : « أنت يا عليّ ! قاضي ديني » 109 وقد قضى دينه فقاتل ، الناكثين والقاسطين والمارقين ؛ ولهذا جعل حبّه وبغضه علامة الإيمان والنفاق ؛ فقال : « لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق شقيّ . » 110 وسرّ آخر : في الجهادين ، الجهاد القولي إذا انتهى نهاية الكمال ابتدأ الجهاد الفعلي . ونهاية الجهاد القولي إلزام بالحجّة حتّى لا يبقى للخصم معارضة بقول ؛ فيأخذ منه القول ويجعل السكوت به أولى ؛ فيصير إنكاره إقرارا ، ونفيه إثباتا . فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ إشارة إلى مثل هذه الحالة ، وقد أخبر القرآن عنهم : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ؛ ونهاية الجهاد الفعلي الإثخان بالقتل حتّى لا يبقى للخصم محاربة بفعل ؛ فيأخذ الحركة منه ويجعل السكون به أولى ؛ فيصير إقراره إنكارا وإثباته نفيا وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً .