محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
838
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
على عطاء الدنيا فمعناه بغير مقدار مقدّر ، بل هو كثير العطاء واسع البرّ أو يكون المعنى بغير استحقاق على عمل أو خصلة ؛ فتعمّ البرّ والفاجر من غير تقتير ولا تمييز . الأسرار قال الذين تركوا زينة الدنيا واتّقوا ربّهم : من لطائف القرآن إضافة التزيين في جانب الباطل والشرّ إلى فاعل مجهول ، وإضافة التزيين في جانب الحقّ والخير إلى اللّه تعالى رعاية للأدب ( 345 ب ) الذي ليس يخلو عن تحقيق . قال اللّه - عزّ وجلّ - في جانب الإيمان : وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وقال في جانب الباطل : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ، لأنّ الخير والحقّ داخلان تحت القضاء بالقصد الأوّل وبالذات ، وأنّ الشرّ والباطل داخلان تحت القضاء بالقصد الثاني وبالعرض ؛ فمن حيث العموم : اللّه تعالى إله المؤمن والكافر ، ومن حيث الخصوص : اللّه تعالى إله المؤمن دون الكافر : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ . فدخلوا في دائرة العبودية عموما خيّرهم وشرّيرهم ، محقّهم ومبطلهم ؛ وخرجوا من دائرة العبودية خصوصا شرّيرهم لا خيّرهم ، ومبطلهم لا محقّهم ؛ وهاهنا حكم آخر إنّ الأشرار ما دخلوا في الدائرة قطّ وذلك حكم المفروغ . وسرّ آخر : أنّهم يسخرون من المؤمنين في الحياة الدنيا وهو الكون الأوّل وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يسخرون بهم ويضحكون عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * وهو في الكون الثاني ، وهاهنا حكم آخر أنّهم في الدنيا يسخرون من أنفسهم لا من المؤمنين كما قال : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . وسرّ آخر : أنّ اللذّات الحسّية مزيّنة في صدور من وقف على المحسوسات ؛ ومن تعلّى إلى ذروة المعقولات سخر من الواقفين على المحسوسات ، وكذلك من تعلّى إلى ذروة الكلمات التامّات والحروف القدسيات سخر من الواقفين على المعقولات ؛ وكما أنّ « 1 » المؤمنين فوق الكافرين بالرتبة كذلك الأنبياء فوق المؤمنين بالرتبة إلّا أنّ تلك الفوقية في
--> ( 1 ) . س : + من .