محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
815
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 200 ] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) النظم كما علّمهم اللّه تعالى مناسك الحجّ كذلك علّمهم الدعاء بعد قضاء المناسك ؛ إذ كانوا في الجاهلية يجلسون بعد أعمال الحجّ يفتخرون بآبائهم ويفاخرون ، ويذكرون مفاخر آبائهم بالأشعار ؛ فصرفهم اللّه تعالى عن ذلك بذكر اللّه تعالى ثناء عليه وشكرا له ، وهذا قول قتادة والسدّي ومجاهد وابن عبّاس . التفسير [ و ] المعاني قال أنس : كانوا يذكرون آباءهم في الحجّ فيقول واحد : كان أبي يطعم الطعام ، وواحد يقول : كان أبي يضرب بالسيف ، وواحد يقول : كان أبي يكرم الجار ويؤمن المستجير ؛ وقال السدّي : كانوا إذا قضوا مناسكهم أقاموا بمنى فيقولون : اللّهمّ ! إنّك أعطيت أبي مالا حتّى كان عظيم الحصّة كثير الخير ؛ فأعطني مثل ذلك ؛ وقال ابن عبّاس في رواية عطاء : كانت العرب إذا أفاضت قال رجل منهم : أنا فلان بن فلان ، كان أبي يقري الضيف ويكرم الجار ويحمي المستجير ؛ فأعطني من المال ما أستغني به ؛ وقال مجاهد : قضاء المناسك إراقة الدماء ؛ وقال غيره : معناه إذا فرغتم من أعمال الحجّ . والمناسك جمع المنسك ، والمنسك والنّسك هو العبادة ويذكر بمعنى الذبيحة والجمع نسك ونسائك . والمنسك موضع النسك ، أي إذا قضيتم الأعمال التي أمرتم ( 336 ب ) في موضع النسك ؛ وإذا جعلت المنسك بمعنى النّسك وهو مصدر نسك ينسك فمعناه إذا أدّيتم تلك العبادات ؛ والقضاء تأدية الواجب . فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالثناء والتعظيم كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ فإنّه المنعم عليكم وعلى آبائكم أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً قيل : بل أشدّ ذكرا . قال بعض أهل المعاني : أديموا ذكره ولا تنسوه ؛ فإنّ الإنسان قلّ ما ينسى ذكر آبائه ؛ وقال بعضهم : الصبيان يذكرون آباءهم في أوّل ما نطقوا بشيء ؛ فيقولون : أبه أبه وهو قول