محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

612

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الجهالات ، ومقام إبراهيم عقبه من الذرّيّة الطاهرة هم قبلة الناس في الطاعات ، والطائفون بالبيت الطالبون للحقّ ، والعاكفون في البيت القائمون بالحقّ ، والركّع السجود الطائعون للحقّ ؛ وربّما يقال في التأويل : هم أصحاب المراتب الثلاث وربّما يقال : هي الحركات الثلاث القولية والفكرية والفعلية ؛ والطواف باللسان أولى ، والعكوف بالفكر أولى ، والركوع والسجود بالفعل أولى ، وكما لم تصحّ الصلاة إلّا بالتوجّه إلى مقام مخصوص وبيت مخصوص فكذلك لا يصحّ الاعتقاد إلّا بالتوجّه إلى رجل مخصوص ولا يصحّ القول إلّا بالأخذ عن رجل مخصوص ؛ وأهل القبلة هم أهل الصلاة ، وكما تعيّنت القبلة للصلاة تعيّنت الإمامة للجماعة ؛ وعهدنا إلى إبراهيم صاحب التنزيل ، وإسماعيل صاحب التأويل أن طهّرا بيتي تطهيرا بماء التنزيل والتأويل للطائفين لبيتي لا تطهيرا للطائفين لبيتي ؛ فإنّهم طاهرون مطهّرون بالفطرة ؛ وفرق بين تطهير البيت لأجل الطائفين ، وبين تطهير الطائفين لأجل البيت ؛ وعلى الوجهين حكمان حكم المفروغ وحكم المستأنف ؛ فربّما يكون البيت طاهرا بالفطرة والوارد عليه مطهّرا ، وربّما يكون الوارد عليه طاهرا بالفطرة والبيت مطهّرا ، ولمّا طهّر إبراهيم - عليه السلام - نفسه بالكلمات التي تلقّاها من ربّه فابتلاه بها تطهيرا وأتمّها إبراهيم تقريرا ، أمر بتطهير البيت للطائفين سبعا سبعا من ذرّيّته الطاهرين ، والعاكفين سبعا سبعا من آله الزائرين ، والرّكّع السجود من أمّته المؤمنين تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً . وسرّ آخر : لمّا استحقّ الخليل - عليه السلام - الإمامة مطلقا عامّا لجميع الناس ( 247 آ ) بإتمام الكلمات واستيفاء الطهارات كما قال : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً سأل الإمامة لذرّيتّه سؤالا عامّا فأعلم أنّ الإمامة أثرة طاهرة خاصّة لا تجري في ذرّيتّك الظالمين : قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فعلم أنّ عهد الإمامة مخصوص بالعالمين العادلين . ولمّا أن عهد إلى إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود سأل إبراهيم الرزق لذرّيّته سؤالا خاصّا قال : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فأعلم أنّ الرزق عطيّة ظاهرة عامّة تشمل المؤمن والكافر قال : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا فعلم أنّ منعه الرزق ليس مخصوصا