محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
786
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
( 323 ب ) وقالا : إنّ هذه الآية نسخت بالآية الثانية وحملا على ذلك قوله : وَلا تَعْتَدُوا أي لا تبدأوهم بالقتال ؛ وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - قال : هذه الآيات نازلة في قصّة الحديبية لمّا صدّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن المسجد الحرام ؛ فأقام بالحديبية شهرا ثمّ صالح على أن يرجع عامه ذلك حتّى تخلى له مكّة عام قابل ثلاثة أيّام ؛ فصالحهم على ذلك ورجع إلى المدينة ؛ فلمّا كان العام القابل تجهّز رسول اللّه وأصحابه إلى مكّة وأحرموا بالعمرة خائفين أن لا تفي قريش بذلك وأن تبدأهم بالقتال في الحرم وهم محرّمون ؛ فأنزل اللّه تعالى قوله : التفسير وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ في الحرم وغيره وَلا تَعْتَدُوا أي لا تبدأوهم بالقتال في الحرم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ بالظلم ؛ فسار رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - إلى مكّة ؛ فأخلى لهم أهل مكّة البيت الحرام ووفوا لهم بالعهد ؛ فدخلوا مكّة وطافوا بالبيت معتمرين وأقاموا ثلاثة أيّام ، ثمّ انصرفوا ؛ فقال اللّه : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ أي الشهر الذي دخلت فيه بالشهر الذي منعت منه عام أوّل . وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ اقتصصت لكم منهم في الشهر الحرام يعني ذي القعدة ، كما صدّوكم عن الشهر الحرام في ذي القعدة . قال ابن عبّاس : حكم هذه الآية ثابت في حقّ أهل الحرم لا يجوز ابتداؤهم بالقتال ، وكذلك قال مجاهد وعمر بن عبد العزيز ، وقال غيرهم : هذه الآية منسوخة بآية القتال في أوّل سورة براءة ؛ وقال ابن جرير : القول الأوّل أصحّ . وقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 191 ] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) اللغة [ و ] التفسير حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي حيث ظفرتم بهم وحيث وجدتموهم .