محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
776
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
السمك وتشرب اللبن بالنصب ، أي لا تجمع بينهما ، ومعناه هاهنا لا تأكل مال أخيك وتدل به إلى الحاكم ، أي لا تجمع بينهما ؛ ويجوز أن يكون قوله : وَتُدْلُوا بِها في محلّ النصب للحال ، أي لا تأكلوا مدلين إلى الحكام . وقال بعض أهل المعاني « 1 » : يجوز أن تكون الآية في من يقيم عند الحاكم شاهد زور أو يحلف بيمين كاذبة ، ويجوز أن تكون في من يعطي الحاكم رشوة حتّى يقطع له فريقا من أموال الناس ، أو يستحلّ مال الغير بأن يستفتي مفتيا يعطيه شيئا فيجتهد ويحكم على خلاف الحقّ ، وكذلك اليهود يفعلون ذلك . [ الأسرار ] قال الذين لا يأكلون أموالهم بينهم بالباطل : المؤمن حرام دمه وماله وعرضه والمؤمن أخو المؤمن ولا يحلّ أكل ماله بتأويل ومن استحلّ مال الغير استحللنا دمه ، ومن استحل مال الغير فقد حكم بالإباحة ورفع الحرج وإحباط التكليف ، وتعدّى حدود اللّه وظلم نفسه ؛ والإدلاء إلى الحكّام يكون على وجهين : أحدهما إدلاء ( 319 آ ) بحجّة باطلة كيمين كاذبة أو شهادة زور ويكون الحاكم فيه معذورا ، وإنّما الإثم على المدلي ، ويكون ما يقطعه له قطعة من النار ؛ فإنّ قضاء القاضي لا يحلّ حراما ولا يحرم حلالا ؛ فلا ينفذ ظاهرا وباطنا ؛ والوجه الثاني إدلاء بمال ورشوة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وهم يعلمون أنّه حرام أخذه وباطل حكمه وسحت أكله . وقد ابتلينا بزمان فيه حكّام تصرخ منهم الدماء وتبكي منهم المواريث ، كما قال عليّ - رضي اللّه عنه - : « إلى اللّه من معشر يعيشون جهالا ويموتون ضلّالا ليس فيهم سلعة أبور من كتاب اللّه إذا تلي حقّ تلاوته ، ولا سلعة أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرّف من مواضعه ، ولا عندهم أنكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر ، ترد على أحدهم القضيّة فيحكم فيها برأيه ، ثمّ ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند إمامهم الذي استقضاهم ، فيصوّب آراءهم جميعا ، وإلههم واحد وكتابهم
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .