محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

772

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

أن يكون في الجامع ، بل جميع المساجد في ذلك سواء ، وله أن يعتكف ما شاء ولو ساعة واحدة ؛ والاعتكاف لا يجب إلّا بالنذر ، ولو خرج المعتكف لما لا بدّ منه من قضاء الحاجة والأكل وأداء الشهادة والحيض والمرض لم يبطل ( 317 آ ) الاعتكاف ؛ والعكوف والاعتكاف : اللزوم والإقامة بالموضع في أصل اللغة . وقوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها قال الزجّاج : معنى الحدود ما منع اللّه من مخالفتها ، وأصل الحدّ المنع ، ومنه الحداد والحديد « 1 » ، وحدّ الدار ما يمنع غيرها أن يدخل فيها ثمّ سمّي التقدير حدّا ، لأنّ فيه منعا ممّا جاوزه وخرج عنه ، وسمّيت العقوبات المقدّرة حدودا لأنّها مقدّرة قد منع اللّه من تجاوزها ؛ ومعنى الآية بهذه الأشياء التي أمرتكم باجتنابها حدود اللّه فلا تقربوها ، أي تباعدوا عنها ، إشارة إلى الأحكام التي ذكرها في هذه الآية من التحريم والتحليل ، وإذا نهي الإنسان عن شيء قيل له : لا تقربه ، قال اللّه تعالى : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ * وهو نظير قوله : فلا تعتدوها ؛ وحدود اللّه أحكامه ومقاديره في التكليف . وروي عن السدّي قال « 2 » : حدود اللّه شروطه ؛ وقال شهر بن حوشب : فرائضه ؛ وروى أبو صالح عن ابن عبّاس قال : حدود حدّها اللّه ما بين طاعته ومعصيته ؛ وقيل : حدود اللّه معالمه . قال الكلبي والضحّاك ومقاتل : تلك حدود اللّه يعني المباشرة في الاعتكاف ومعصية اللّه ؛ فلا تقربوها ما دمتم معتكفين ؛ وقيل : معنى الكلام : لا تعرضوا لما نهاكم اللّه عنه في هذه الآيات كما قال : لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ، وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ . * وأصل القربان الغشيان وهو من قرب يقرب . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ * أي هكذا يبيّن اللّه ؛ وقيل : كما بيّن لكم وأوجب فرائضه عليكم من الصوم والاعتكاف فكذلك يبيّن اللّه سائر أحكامه من الحلال والحرام لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . * فالآيات هي الفرائض التي أمر بها والشرائع التي ألزمها كما قال : سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ثمّ فسّرها فقال : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا . وقوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي لكي تتّقوا بالعمل به ولتتهيّأ لهم التقوى بورود البيان .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .